المومني تكتب: للنسيان ذاكرة أيضا
د.نهلا عبدالقادر المومني
«للنسيان مفكرة تذكرك في كل تاريخ بما عليك نسيانه»، هكذا تقول أحلام مستغانمي التي وثقت في سيرتها الذاتية «أصبحت أنت» كيف لذاكرة الأب أن تمسي ذاكرتها هي، بعد سنوات عديدة اعتقدت أنها قد نست أو تناست فقدانه؛ بقيت ذاكرة أبيها عصية عن التلاشي والنسيان فتقمصتها، وتجسدت في صورة أخرى تسير بين جنباتها وتستوطن أضلعها لتصبح هي أباها الذي ما غادرها يوما ولربما لدقيقة واحدة.
للنسيان ذاكرة إذا، وتلك نظرية تهدم كل النظريات السائدة في هروب الإنسان الأزلي نحوه؛ لاعتقاده أن لا ذاكرة له، ليكتشف لاحقا أن النسيان في حد ذاته ذاكرة وإن وضعت في حالة السكون كثيرا أو حتى قليلا.
قد تكون ذاكرة النسيان لدى الإنسان العربي أقوى من غيرها، حتى الشعوب تختلف في ذاكرتها، كل معلقات الشعر العربي تكشف عن ذلك، عن ذاكرة لا تمحى ولا تريد أن تمحى. كل الأحداث التي عبرت التاريخ لاحقا جعلت العربي بكل أشكاله لا يملك رفاهية النسيان، فكيف ينسى أرضا محتلة منذ ما يقارب المائة عام وأخرى رغم خيرات الله فيها أصابها الخراب بعد أن كانت تحلم بمستقبل أجمل، كيف يهرب من كل ذلك إلى نسيان يبدو أنه يحمل ذاكرة مثقلة.
هل يمكن أن يدخل تشرين الأول (أكتوبر) دون أن تنتفض الذاكرة من مكانها، أن تزيل عنها ثوب النسيان الذي أوهمت نفسها به لتسترد ما عانى منه الأطفال والنساء والرجال طيلة ثلاثة أعوام منذ السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) في غزة، هل يمكن أن يتجاوز العقل البشري العربي هذا القهر والطغيان والظلم المسكوت عنه.
«ما سره تشرين؟» على حد قول نزار قباني، أعتقد أن سره اليوم أصبح واضحا، هناك أشهر في السنة أيضا يصعب نسيانها أو تجاوزها، تشرين الأول (أكتوبر) من هؤلاء، إنه شهر أمسى من أعتى الأشهر على الذاكرة وأصعبها نسيانا، في الحرب والسلم معا.
للنسيان ذاكرة، يبدو ذلك حقيقة، ولولا أن له ذاكرة تعادل ذاكرة رقمية حديثة ما كان للإنسان أن يبقى متذكرا حتى الآن ويلات الحروب وآثار ناكازاكي وهيروشيما والعامرية وصبرا وشاتيلا ولعنة القضاء على الشعوب الأصلية التي ما تزال تطارد الإنسان حتى يومنا هذا.
كيف لذاكرة أن تنسى ذلك كله، وإذا ما أردنا أن ننظر قليلا إلى الجانب المشرق من الأمر لقلنا لولا هذه الذاكرة لما التفت العالم إلى حقوق الإنسان أساسا، هذا ما تؤكده ديباجة ميثاق الأمم المتحدة في تبريرها لإنشاء هذه المنظمة والتي جاء فيها «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب التي جلبت للإنسانية مرتين أحزانا يعجز عنها الوصف...»
كان ذلك دليلا على ذاكرة قوية لشعوب الأمم المتحدة ولم يكن دافعا بالضرورة لتغيير واقع الحال.
النسيان تلك الوصفة الأشهر للأطباء وخبراء التنمية البشرية والطاقة وغير ذلك من مسميات، ذلك الكفيل بحد وصفهم بكل شيء يتعلق بالتعافي والتجاوز وكل هاتيك المصطلحات، هذا النسيان يجد نفسه اليوم مثقلا بذاكرة شعوب وأفراد لم تتوقف يوما عن ترحيل ما يعيش بداخلها إليه، فما عاد قادرا على احتمال حجم هذا الهروب المغلف به.
وطأة الذاكرة قد تدفع البعض لوأدها خلاصا منها؛ فالنسيان لم يعد حلا ناجعا، لقد أمسى خدعة الإنسان الكبرى؛ فالنسيان له مفكرة وله توقيت لا يخطئ أو قد يكون النسيان انتقائيا وقد يكون النسيان عصيا على أن ينسى الظلم البين والفقد الحقيقي واللحظات الصادقة فيحمي ذلك كله في الذاكرة ويرفض المساس بها.
للنسيان إذا ذاكرة لم تنس يوما، ولكن يبقى السؤال: إذا كانت الذاكرة تهرب كل يوم إلى النسيان، فإلى أين سيهرب هو وأين سيجد ملجأه وملاذه؟







