اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أمن المياه.. من موردٍ حيوي إلى قضية أمن قومي

{title}
أخبار الأردن -

 

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع جلالة الملك عبدالله الثاني قضية المياه في سياق يتجاوز مفهومها التقليدي كملف خدمي أو بيئي، حين قال بوضوح: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي. لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.»

هذه العبارة تختصر تحولاً مهماً في النظر إلى المياه في الأردن: الماء لم يعد قضية قطاعية، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني.

واللافت أن جلالة الملك ربط أمن المياه مباشرة بالتطورات على الحدود الشمالية وبما تشهده سوريا من توغلات وفرض حقائق جديدة على الأرض تمس مصادر مائية حيوية. وهذه الإشارة تذكّر بحقيقة أساسية في منطقتنا: المياه لا تنفصل عن الجغرافيا السياسية؛ فالأحواض المشتركة والمصادر العابرة للحدود والمنشآت المائية تجعل أمن المياه مرتبطاً بالعلاقات بين الدول وبالاستقرار الإقليمي.

لكن حماية الأمن المائي لا تبدأ وتنتهي عند السياسة والدبلوماسية. فما تحميه السياسة يجب أن تؤمّنه الهندسة.

وهنا تتسع مسؤولية المهندس من تصميم شبكات ومنشآت إلى بناء منظومة قادرة على الصمود أمام المخاطر. فالأمن المائي يعني أن نمتلك مصادر متنوعة، وقدرة على التحلية والنقل والتخزين، وشبكات موثوقة، ومرافق قابلة للاستمرار، وأنظمة قادرة على الاستجابة للأعطال والأزمات والتغيرات المناخية.

وفي هذا السياق، يكتسب الناقل الوطني للمياه أهمية تتجاوز كونه مشروعاً لزيادة كميات المياه المتاحة؛ فهو جزء من إعادة تشكيل البنية التحتية للأمن المائي في المملكة، عبر تحلية مياه البحر ونقلها إلى المحافظات. وهذا النوع من المشاريع الاستراتيجية يجب أن يُنظر إليه كأصل وطني طويل العمر، لا كمشروع ينتهي عند تشغيله.

وهنا نحتاج إلى تطوير مفهومنا لإدارة البنية التحتية المائية. فمحطات التحلية والمعالجة، وخطوط النقل، وشبكات التوزيع، والخزانات ومحطات الضخ، كلها أصول وطنية تحتاج إلى إدارة دورة حياة كاملة: قياس الحالة، والصيانة الوقائية، وإدارة المخاطر، والتجديد، والرقمنة، ورفع الكفاءة.

كما أن تأمين مياه إضافية لا يعفي من حماية المياه الموجودة أصلاً. خفض الفاقد، وإدارة الضغوط، وكشف التسربات، وتحسين كفاءة الضخ، والعدادات الذكية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، كلها ليست إجراءات تشغيلية منفصلة؛ إنها أدوات مباشرة في الأمن المائي.

وتزداد أهمية ذلك مع التطور التقني. فالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والاستشعار عن بعد وتحليل البيانات يمكن أن تحول إدارة الشبكات من الاستجابة للأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بها وإدارتها قبل أن تتفاقم. وفي منظومة شحيحة المياه، تصبح البيانات نفسها مورداً استراتيجياً: ما لا نقيسه بدقة، يصعب أن نديره بكفاءة.

ثم هناك العلاقة الوثيقة بين الماء والطاقة. فالتحلية والضخ والنقل والمعالجة عمليات تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة؛ ولذلك فإن أمن المياه يرتبط مباشرة بأمن الطاقة وكفاءتها واستدامتها. ومن هنا فإن التوسع في الطاقة المتجددة وكفاءة استهلاكها لا يخدم قطاع الطاقة وحده، بل يعزز قدرة الأردن على إنتاج المياه ونقلها بكلفة أكثر استدامة.

إن رسالة جلالة الملك تضع أمامنا إذاً مهمة مزدوجة: أن نؤمّن احتياجاتنا المائية اليوم، وأن نبني في الوقت ذاته قدرة الأردن على تأمين مياهه غداً.

وهذه ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة واحدة. إنها منظومة وطنية تتكامل فيها الدبلوماسية المائية مع التخطيط والاستثمار والهندسة والتكنولوجيا وحماية المصادر وإدارة الطلب.

ومن موقع نقابة المهندسين، فإننا نرى أن المرحلة المقبلة تستدعي أن تكون الهندسة شريكاً أساسياً في صياغة الأمن المائي، لا منفذاً للمشاريع فقط؛ وأن ننتقل من هندسة المنشأة إلى هندسة المنظومة، ومن إدارة المشروع إلى إدارة الأصل، ومن معالجة المشكلة إلى استباق المخاطر.

ففي بلد مثل الأردن، حيث تفرض الجغرافيا والمناخ هامشاً ضيقاً للخطأ، لا يمكن أن نتعامل مع المياه باعتبارها مجرد خدمة.

الماء أصل وطني، وحمايته أمن قومي، وتأمينه للمستقبل مهمة سياسية وهندسية في آن واحد.

وهذا هو المعنى الأعمق لرسالة جلالة الملك:
سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية