نورالدين نديم يكتب: تأنيث المدارس.. هل نريد مجتمع بلا آباء؟!
نورالدين نديم
في الأردن اليوم نحو 147.6 ألف معلم ومعلمة في مختلف قطاعات التعليم، بينهم نحو 103.3 ألف معلمة مقابل 44.3 ألف معلم، أي أن الإناث يشكلن قرابة 70% من إجمالي الكادر التعليمي وفق آخر جدول إحصائي منشور لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2023/2024.
وفي مدارس القطاع الحكومي تحديداً، يبلغ عدد المعلمات نحو 61.3 ألفاً مقابل 35.8 ألف معلم.
هذه الأرقام علامة على تحول عميق في بنية المؤسسة التعليمية في الأردن.. تحول يحتاج من أصحاب الإختصاص أن نناقشه بعيداً عن الحساسية الاجتماعية، وعن أي انتقاص من دور المرأة الأردنية في التعليم.
لقد أثبتت المرأة كفاءتها في التربية والتعليم، وهذا مالا يختلف عليه إثنان، ولكن بذات الوقت من حق الباحثين أن يتساءلوا عن طبيعة حضور الرجل في المؤسسة التعليمية، وواقع التعليم في مدارس الذكور، وأهمية دوره وحضوره في مرحلة الطفولة والمراهقة التي تتشكل فيها شخصية الطالب؟
وحتى نكون واضحين منذ البداية أنوّه أنّ مقالي هذا ليس معركة ضد المعلمة، بالعكس هو دعم للمعلمة وتأكيد على دورها المميز ومطالبة بعدم إثقال كاهلها بالأعباء أو إخراجها من مساحتها الآمنة مهنيّاً وتوفير بيئة مناسبة لأداء رسالتها على أكمل وجه.
فالواقع من وجهة نظري يقول أن المعلمة أصبحت في بعض البيئات التعليمية تدفع ثمن سياسة فُرضت عليها ولم تصنعها.
فحين يزداد اعتماد النظام التعليمي على المعلمات، ثم توضع معلمة في مدرسة للذكور لتواجه أعباء تعليمية وسلوكية وإدارية ونفسية متراكمة، فإن السؤال يجب أن يتوجه إلى السياسة التعليمية لا إلى المعلمة.
فلماذا تركناها تتحمل كل ذلك؟ ولماذا لم نسأل منذ سنوات: أين ذهب المعلمون الرجال؟ وماذا يخسر الطالب جرّاء هذه السياسة؟
لا توجد قاعدة علمية تقول إن الطالب "الذكر" يتعلم أفضل عند المعلم الرجل، أو أن المعلمة أقل كفاءة في تعليم الذكور.
بل إن الدراسات الدولية حول أثر جنس المعلم في التحصيل الدراسي جاءت بنتائج متفاوتة.
لكن هناك قضية أخرى لا تقل أهمية عن التحصيل وهي "النموذج الذي يراه الطفل أمامه".
فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين المعارف فقط بل هي مؤسسة اجتماعية أيضاً، يتعلم الطالب فيها كيف يتعامل مع الآخر وكيف يدير غضبه وكيف يحاور وكيف يتحمل المسؤولية..
ولهذا فإن وجود المعلمة والمعلم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره منافسة بين الجنسين، بل باعتباره تنوعاً في النماذج التربوية، فالطالب بحاجة إلى أن يرى امرأة ناجحة في التعليم، لكنه بذات الوقت بحاجة أن يرى رجلاً قدوة ناجحاً في التربية والتعليم.
المشكلة تبدأ عندما نُغيّب أحد النموذجين، وحين يصبح النقص في أحد الجنسين كبيراً لدرجة تؤثر في طبيعة العملية التربوية التعليمية.. فالتعليم ليس مجرد معادلة حسابية جامدة.
فليس من المنطقي أن تكون مدرسة تضم مئات المراهقين الذكور وتعتمد في كادرها التعليمي على المعلمات، ثم نطالب المعلمة وحدها بالتعامل مع كل التعقيدات السلوكية والنفسية التي ترافق مرحلة المراهقة؟!.. وليس من العدل أن نضع المعلمة في مواجهة طالب مراهق ثم نلومها إذا عجزت عن احتواء سلوك معين؟!
معاناة المعلمات في المدارس لا يجوز أن تُدفن تحت عنوان "التأنيث" وشعارات التطوير والتحديث..
قد نكون أوجدنا حلّاً مؤقتاً لنقص أعداد المعلمين في بعض المدارس بتعيين معلمات، لكننا سنكتشف بعد سنوات أننا لم نحل المشكلة وإنما عالجنا المشكلة بمشكلة أكبر.
فالمعلمة القيمة والقامة ليست مجرد رقم لسد شاغر، والمعلم ليس موظفاً زائداً يمكن الاستغناء عنه، فكلاهما جزء من منظومة تربوية متكاملة.
ولعلّ السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه على صانع القرار هو: ( لماذا أصبحت مهنة التعليم بيئة طاردة للرجال؟)
هل السبب الراتب؟ أم ظروف العمل؟ أم المكانة الاجتماعية للمهنة؟.. السبب سياسات التعيين؟!
تقرير اليونسكو العالمي عن المعلمين أشار إلى أن معدل مغادرة معلمي المرحلة الابتدائية للمهنة في الأردن بلغ نحو 12% خلال الفترة 2020–2022، وهو معدل مرتفع مقارنة بالعديد من الدول.
وهنا لا يجوز أن نقرأ الرقم منفرداً، بل أن نضيفه إلى باقي الوقائع والمعطيات ونسأل: (إذا كان النظام التعليمي يخسر معلمين بهذه النسبة، فكم منهم ذكور؟ ولماذا؟ وهل تعوضهم الوزارة بتعيينات جديدة؟ أم أن المشكلة أصبحت في جاذبية مهنة التعليم نفسها؟..)
تأنيث التعليم قد يكون نتيجة وليس سبباً، وهنا نصل إلى النقطة التي غالباً ما يتم تجاهلها أن المشكلة ربما لا تكون في وزارة التربية التي مارست فعل تنفيذ "تأنيث المدارس"، وإنما في اشتراطات الجهات المانحة، ومجموع المشاريع المفروضة والتي يشترط بالأخذ بملاحقها ككل أو تركها ككل؟!.
والحل الذي أطرحه هنا لا يقتصر على تعديل سياسة التعيين، وإنما يتعداه للمطالبة بإعادة بناء مهنة التعليم بحيث تصبح جاذبة للرجل والمرأة معاً، وبتحصين القرار التربوي التعليمي من أي مؤثرات خارجية.
من السهل جدّاً أن يشاغلنا البعض بنقاش عقيم عنوانه:
" هل فصدك أن المعلمات لا يستطعن التعامل مع الطلاب الذكور؟!" أو "المعلمة أثبتت أنها أفضل من المعلم."، وكلاهما سيقودنا إلى نقاش غير علمي يحرفنا عن مقصدنا، فالمعلم الممتاز ليس جيداً لأنه رجل، والمعلمة الممتازة ليست جيدة لأنها امرأة، ولكن المعيار هو الكفاءة والتأهيل والقدرة على التربية، وهذا لا يلغي قيمة التنوع وأهميته في البيئة التربوية التعليمية، فالطالب بحاجة لنموذج الأم الحانية والمربية وكذلك لنموذج الأب القدوة والمربي..
إذا كان أصحاب القرار مقتنعون بصوابية قرارهم وأن الأمر لا يمثل مشكلة، فليجروا دراسة وطنية مستقلة، وليتم السؤال من خلالها :
- هل يؤثر جنس المعلم في السلوك المدرسي للطلبة؟
- هل يؤثر في الانضباط؟
- هل يؤثر في الغياب والتسرب؟
- هل تختلف النتائج في مدارس الذكور ذات الكادر النسائي؟
- ما حجم العبء السلوكي والنفسي الواقع على المعلمات في مدارس الذكور؟
- لماذا يتراجع إقبال الرجال على مهنة التعليم؟
- لماذا يترك بعض المعلمين المهنة؟
- هل الرواتب والحوافز وظروف العمل جزء من المشكلة؟
وغيرها من الأسئلة العامة غير "الأيدليولوجية".
وكلمة أخيرة لصانع القرار: لا يكفي أن نقول إن الأمور تسير على ما يرام لمجرد أن المدارس ما زالت تفتح أبوابها كل صباح.







