ارتفاع معدلات التوجيهي لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى التعليم.. فماذا تخفي الأرقام؟
انتقد الأكاديمي الدكتور علي مطر الطريقة التي يجري من خلالها تقييم مخرجات نظام الثانوية العامة، معتبرًا أن الاحتفاء بارتفاع معدلات الطلبة لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم المتعلق بماذا تقيس هذه المعدلات، ومدى تعبيرها عن الاستعداد الحقيقي للمرحلة الجامعية والتخصص الذي يتجه إليه الطالب.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن التعامل مع ارتفاع الأرقام بوصفه دليلًا تلقائيًا على تحسن مستوى التعليم يمثل قراءة سطحية للنتائج، مضيفًا أن ارتفاع المعدلات قد يبدو مؤشرًا إيجابيًا في ظاهره، لكنه لا يكفي وحده للحكم على جودة النظام التعليمي أو كفاءة مخرجاته.
وبيّن مطر أن النقاش حول نتائج الثانوية العامة يجب ألا يتوقف عند نسب النجاح والمعدلات المرتفعة، إذ يتعين أن يمتد إلى تركيبة العلامة نفسها، ومدى ارتباط المواد التي أسهمت في تشكيلها بالمعارف والمهارات المطلوبة في التخصص الجامعي الذي سيختاره الطالب لاحقًا.
وأشار إلى أن الإشكالية تصبح أكثر وضوحًا عند الحديث عن الطلبة المتجهين إلى تخصصات مثل الطب والصيدلة وطب الأسنان وكذلك الهندسة، متسائلًا عن مدى كفاية الخلفية العلمية التي يحصل عليها الطالب في المرحلة الثانوية إذا كان بإمكانه تحقيق معدل مرتفع جدًا دون دراسة بعض العلوم الأساسية المرتبطة بصورة مباشرة بهذه التخصصات، وفي مقدمتها الرياضيات والفيزياء.
ولفت مطر إلى أن القضية لا تتعلق بالانتقاص من قيمة أي مادة دراسية أو من تفوق الطلبة، وإنما تتصل بمدى مواءمة مخرجات الثانوية العامة مع متطلبات التعليم الجامعي، بحيث لا يصبح المعدل مجرد بوابة للقبول، منفصلة عن مستوى الجاهزية العلمية الفعلية للطالب.
وتساءل حول الهدف من الثانوية العامة، وما إذا كان تأهيل الطالب لدراسة التخصص الذي اختاره، أم تأهيله أولًا للحصول على المعدل الذي يسمح له بدخول ذلك التخصص؟.
ورأى مطر أن هذا السؤال يتجاوز الجدل حول شكل الامتحان وآلية احتساب العلامات، ليصل إلى جوهر فلسفة التعليم نفسها؛ إذ إن القيمة الحقيقية لأي نظام ثانوي، بحسبه، تكمن في قدرته على بناء قاعدة معرفية ومهارية متينة لدى الطالب قبل انتقاله إلى التعليم العالي.
وذكر أن المعدل المرتفع قد يفقد جزءًا من دلالته إذا لم يكن قادرًا على تقديم صورة دقيقة عن القدرات العلمية والذهنية التي يحتاجها الطالب في مساره الجامعي.
ونوّه مطر إلى أن ارتفاع المعدلات بحد ذاته ليس مشكلة، ذلك أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الرقم إلى غاية مستقلة عن المعنى الذي يفترض أن يحمله، بحيث يصبح ارتفاع المعدل مرادفًا تلقائيًا لارتفاع جودة التعليم، دون إخضاع مكونات هذا المعدل للتحليل والتقييم.
وقال إن أي قراءة جادة لنتائج الثانوية العامة ينبغي أن تتضمن مؤشرات تتجاوز المعدل العام، مثل مستوى الطلبة في العلوم الأساسية، وقدرتهم على الانتقال إلى التعليم الجامعي، ومدى توافق معارفهم مع متطلبات التخصصات المختلفة، إلى جانب قدرتهم على التفكير والتحليل والتطبيق، لا مجرد تحصيل العلامة.
وأضاف مطر أن إعلان أن نتائج دورة ما هي الأفضل في تاريخ المملكة يحتاج، حتى يكون توصيفًا دقيقًا، إلى مؤشرات نوعية موازية للمؤشرات الرقمية؛ لأن ارتفاع المعدلات ونسب النجاح لا يكشف وحده عن مستوى التحصيل الحقيقي أو جودة المخرجات التعليمية.
وشدد على أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد بوابة الثانوية العامة، حيث ينتقل الطالب من نظام يقوم على تحصيل العلامات إلى بيئة أكاديمية تتطلب الفهم والتحليل والتطبيق والبحث والاستقلالية في التفكير.
وحذر مطر من أن الفجوة بين معدل القبول والجاهزية الأكاديمية قد تنعكس لاحقًا على الطلبة والجامعات، خصوصًا في التخصصات التي تتطلب أساسًا علميًا متينًا وتراكمًا معرفيًا يبدأ قبل الالتحاق بالتعليم العالي.
وخلص إلى أن المطلوب ليس خفض معدلات الطلبة أو التشكيك في إنجازاتهم، وإنما إعادة تعريف النجاح التعليمي بصورة أكثر عمقًا؛ بحيث لا يكون السؤال الوحيد حول كم بلغت النسبة؟، وإنما ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما تعكسه هذه النسبة؟.







