خبير هندسي: مسار السكك الحديدية قد يحوّل أراضي المواطنين إلى قطع متضررة بلا تعويض كافٍ
حذّر المهندس باهر يعيش من الآثار التي قد تترتب على مرور خطوط السكك الحديدية عبر أراضي المواطنين، معتبرًا أن المشكلة لا تقتصر على اقتطاع جزء من الأرض، وإنما قد تمتد إلى إفقاد ما تبقى منها قيمتها الاقتصادية والعمرانية، وتحويلها إلى مساحات مجزأة يصعب الانتفاع بها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الجدل المتعلق بالتشريعات الجديدة الناظمة لمسارات السكك الحديدية يستدعي، بالتوازي، التوقف عند الأضرار التي يمكن أن تلحق بملكية المواطنين جراء مرور الخطوط داخل أراضيهم، خصوصًا في الحالات التي لا يقتصر فيها الأثر على الجزء المستملك، بل يمتد إلى بقية العقار.
وبيّن، مستندًا إلى مخطط لقطعة أرض آلت إلى ورثة وتقع إلى الشرق من العاصمة عمّان، أن خط سكة حديد الحجاز يمر من الجهة الشرقية للقطعة، فيما أُقر مسار خط السكة الحديدية الوطنية المقترح ليمر من داخلها قطريًا، من زاوية إلى الزاوية المقابلة، الأمر الذي أدى، بحسب وصفه، إلى تقسيم العقار إلى جزأين، فضلًا عن وجود نقطة تقاطع بين الخطين عند مدخل القطعة.
قطعة واحدة.. وخطان للسكك الحديدية
وأشار يعيش إلى أن مرور الخط المقترح بهذه الصورة لا يعني، من وجهة نظره، مجرد فقدان جزء من مساحة الأرض، إذ سيخلق واقعًا جديدًا يجعل الأجزاء المتبقية من العقار محل إشكال من حيث إمكانية استخدامها أو البناء عليها أو استثمارها بصورة طبيعية، لا سيما مع وجود خطي سكة حديد يحاصران أجزاءً من الملكية ويؤثران في شكلها وإمكانية الوصول إليها.
وقال إن أصحاب العقار تقدموا، منذ سنوات، بمطالبات تستند إلى أحكام قانون الاستملاك، بهدف استملاك الجزء المتبقي من الأرض، باعتبار أن المسار الذي مر داخلها جعل ما تبقى منها، بحسب تقديرهم، غير صالح للانتفاع بالشكل المعتاد.
وأضاف أن أصحاب الأرض أثاروا، في مراجعاتهم للجهات المعنية، جملة من الأضرار التي يقولون إنها لحقت بالعقار، من بينها تشويه المخطط العام للقطعة، وتجزئتها، والحد من إمكانية البناء والسكن فيها، فضلًا عن الآثار البيئية والضوضائية ومخاطر السلامة المرتبطة بوجود خط سكة حديد داخلها أو بمحاذاتها.
الضرر لا يتوقف عند حدود الجزء المستملك
ولفت يعيش إلى أن الإشكالية الأساسية التي تستحق المعالجة التشريعية والإدارية تتمثل في السؤال حول ما إذا سيُقاس أثر الاستملاك بمساحة الأرض التي يمر بها الخط فقط، أم يجب احتساب الضرر الذي يلحق ببقية الملكية عندما تصبح غير قابلة للاستعمال أو تتراجع قيمتها بصورة جوهرية؟.
ونوّه إلى أن الاستملاك الجزئي قد يكون مقبولًا من الناحية الفنية عندما تبقى القطعة قابلة للاستخدام بصورة طبيعية، إلا أن الأمر يختلف عندما يؤدي مسار المشروع إلى تقسيم العقار إلى أجزاء معزولة أو محاصرة أو غير صالحة للبناء أو الاستثمار.
وبحسب يعيش، فإن تجاهل هذه الآثار قد يضع مالكي الأراضي أمام معادلة غير متوازنة؛ إذ يفقد المواطن جزءًا من ملكيته لصالح مشروع عام، ثم يجد أن الجزء المتبقي من الأرض قد تعرض بدوره لخسارة في القيمة والمنفعة، من دون أن يجد آلية واضحة لمعالجة الضرر الكلي الواقع عليه.
"ما سيحدث لأي قطعة يمر بها الخط"
وذكر أن الحالة التي يستشهد بها ينبغي التعامل معها باعتبارها نموذجًا يستدعي دراسة أوسع قبل تنفيذ أي مسارات جديدة للسكك الحديدية، خصوصًا في المناطق التي تتقاطع فيها الخطوط القائمة مع المسارات الجديدة.
وقال يعيش إن المشكلة لا تكمن في إنشاء السكك الحديدية بحد ذاتها، وإنما في كيفية تصميم مساراتها، ومعالجة آثارها على الملكيات الخاصة، وضمان ألا يتحول المشروع العام إلى مصدر خسارة دائمة لمالكي الأراضي التي يعبرها.
وشدد على أن أي منظومة تشريعية جديدة للسكك الحديدية يجب أن تضع في حساباتها مفهوم الضرر الفعلي الذي يلحق بالعقار ككل، وليس فقط المساحة التي تدخل ضمن حرم المشروع، بما يضمن تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحق الملكية الخاصة.
وخلص إلى أن تمرير خط سكة حديد عبر أرض المواطن قد يترك آثارًا تتجاوز حدود المسار ذاته، من حيث تجزئة الملكية، وفقدان قابلية الانتفاع، وانخفاض القيمة، والضوضاء والتلوث ومخاطر السلامة، داعيًا إلى عدم التعامل مع هذه الآثار باعتبارها أضرارًا هامشية يمكن تجاوزها، وإنما إدراجها في صلب الدراسات الفنية والقانونية والاقتصادية لأي مشروع سكك حديدية مقبل.







