الأردن في مواجهة ارتدادات أزمة الأسمدة العالمية.. الزعبي يحذّر من اختبار قاسٍ للأمن الغذائي
الأردن في مواجهة ارتدادات أزمة الأسمدة العالمية.. الزعبي يحذّر من اختبار قاسٍ للأمن الغذائي
حذّر رئيس بعثة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة السابق الدكتور فاضل الزعبي من التداعيات المتسعة لأزمة الأسمدة العالمية على منظومات الأمن الغذائي، ذلك أن الأردن، بوصفه من الدول المستوردة للغذاء والطاقة ومدخلات الإنتاج الزراعي، ليس بمنأى عن انعكاسات هذه الأزمة، لا سيما في ظل الارتباط العميق بين أسعار الطاقة والأسمدة، وما يفرضه ذلك من ضغوط متزايدة على كلفة الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد الغذائي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن تراجع التجارة العالمية في الأسمدة بنسبة تصل إلى 30% يعد مؤشرًا مقلقًا على اختلال أعمق قد ينعكس تدريجيًا على الإنتاج الزراعي العالمي، ومن ثم على استقرار الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة واعتمادًا على الاستيراد، مشيرًا إلى أن أثر الأزمة على القطاع الزراعي قد يتأخر في الظهور مقارنة بقطاعات أخرى، إلا أن تعافيه – في المقابل – سيكون الأبطأ والأكثر تعقيدًا.
وبيّن الزعبي أن المناطق الأكثر عرضة للخطر عالميًا هي تلك التي تجمع بين اعتماد مرتفع على الأسمدة من جهة، وقدرات مالية محدودة على تحمّل ارتفاع الأسعار من جهة أخرى، لافتًا إلى أن دول إفريقيا جنوب الصحراء تُعد في مقدمة المناطق المهددة، رغم أن استخدام الأسمدة فيها منخفض أصلًا، ما يجعل الضرر مضاعفًا، مشيرًا إلى أن دول جنوب وجنوب شرق آسيا، ذات الكثافة السكانية العالية، ستكون أيضًا من بين الأكثر تأثرًا، بحكم اعتمادها على الدعم الحكومي للأسمدة وارتفاع الفاتورة المترتبة على ذلك في ظل القفزات السعرية الراهنة.
وفي ما يتعلق بالإقليم العربي، نوّه إلى أن المخاطر تتضاعف في الدول العربية غير النفطية، لكونها تستورد الغذاء والأسمدة والطاقة في آن واحد، الأمر الذي يجعلها أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية، خصوصًا إذا اقترنت هذه الصدمات بظروف اقتصادية ضاغطة أو أوضاع إقليمية غير مستقرة، لافتًا إلى أن الدول التي تمر بحالات نزاع تبقى الأكثر عرضة لانكشاف غذائي واسع، في ظل ضعف القدرة على تأمين المدخلات الزراعية واستمرار الاضطرابات في سلاسل التوريد.
وأشار الزعبي إلى أن واحدة من أبرز إشكاليات الأزمة تتمثل في غياب مخزونات استراتيجية عالمية للأسمدة على غرار ما هو قائم في قطاع الطاقة، موضحًا أن هذا الغياب يعود إلى اعتبارات فنية واقتصادية معقدة؛ فالأسمدة، لا سيما النيتروجينية منها مثل اليوريا، مواد يصعب تخزينها طويلًا بسبب حساسيتها الكيميائية، وامتصاصها للرطوبة، وتراجع جودتها بمرور الوقت، فضلًا عن ارتفاع كلفة التخزين وخطورته والحاجة إلى مساحات كبيرة لحفظها.
ونبّه إلى أن البعد الاقتصادي للأزمة لا يقل تعقيدًا عن بعدها الفني، إذ إن هناك ارتباطًا بين الغاز الطبيعي وصناعة الأسمدة، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الطاقة ينعكس تلقائيًا على أسعار الأسمدة، لتصبح صدمة الطاقة وصدمة السماد متلازمتين لا منفصلتين، مستطردًا أن هذا التشابك يفسّر هشاشة السوق العالمية للأسمدة، ويكشف كيف يمكن لأي اضطراب في الإمدادات أو التجارة أو الجغرافيا السياسية أن ينتقل سريعًا إلى المزارع، الذي يجد نفسه في مواجهة ارتفاع الكلفة دون وجود أدوات كافية لامتصاص الصدمة.
وفي معرض حديثه عن دور المنظمات الدولية، أوضح الزعبي أن مؤسسات مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) لا تمتلك احتياطيات مادية يمكن ضخها في الأسواق وقت الأزمات، كما لا تملك سلطة تنظيمية أو تنفيذية على كبار المصدرين، ولا قدرات تمويلية توازي حجم الصدمة، متابعًا أن دور هذه المنظمات يتركز أساسًا في الرصد والإنذار المبكر، ومتابعة أسعار الغذاء ومدخلات الإنتاج، وتوجيه السياسات، وتقديم المشورة الفنية للحكومات، إلى جانب دعم بعض البرامج الموجهة لصغار المزارعين، إلا أن هذه الأدوات، برأيه، تظل غير كافية لمواجهة أزمة بهذا الحجم.
وشدد على أن أزمة الأسمدة الحالية يجب أن تُقرأ باعتبارها نقطة تحوّل في التفكير العالمي بمنظومات الأمن الغذائي، لكنها لن تصبح كذلك تلقائيًا ما لم تُترجم إلى قرارات سياسية واستراتيجيات عملية، مضيفًا أن ما كشفته الأزمة هو أن منظومة الأمن الغذائي العالمية بُنيت على افتراض أن التجارة ستبقى مفتوحة، وأن الإمدادات ستظل متاحة لكل من يستطيع الدفع، وهو افتراض سقط أمام تقاطع صدمات الطاقة والأسمدة والجغرافيا السياسية.
وأضاف أن الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه يتمثل في أن الاعتماد على السوق وحده، دون بناء أدوات حماية وامتصاص للصدمات، يترك الدول الهشة مكشوفة أمام الأزمات، موضحًا أن بناء المنعة يتطلب العمل على مسارات متوازية تشمل تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين كفاءة استخدام المدخلات الزراعية، وتعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، والتفكير في صيغ أكثر مرونة لإدارة المخاطر قبل وقوعها لا بعد انفجارها.
وذكر الزعبي أن التحدي الحقيقي يكمن في منع تكرار الأزمة بالصورة ذاتها مستقبلًا، من خلال الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى منطق التخطيط الاستباقي، وبناء سياسات أمن غذائي أكثر صلابة وقدرة على الصمود، خاصة في الدول المستوردة للغذاء مثل الأردن، التي تظل أكثر حاجة إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تحصّنها من تقلبات الأسواق العالمية وصدمات الجغرافيا السياسية.
وخلص الزعبي إلى أن الأمن الغذائي بات جزءًا من الأمن الوطني للدول، الأمر الذي يستدعي مقاربة أكثر شمولًا وعمقًا في التعامل مع أزمات الغذاء ومدخلات الإنتاج، بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو الرهانات على هدوء الأسواق، لأن كلفة الاستيقاظ المتأخر على هشاشة المنظومة قد تكون باهظة على الدول والمجتمعات معًا.






