طهران تُسقط "ثقافة الصمت العربي"
• إغلاق مضيق هرمز يعكس جدية إيران في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة
• حزب الله فاجأ المراقبين والخصوم على حد سواء في الداخل اللبناني والخارج
• إيران أدارت مفاوضاتها مع ترامب بعقلية ندية غير مألوفة في السلوك السياسي العربي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة
• السلوك الإيراني يعكس، في جوهره، قطيعة مع ثقافة "ضبط النفس" التي حكمت المقاربة العربية للصراع مع إسرائيل لعقود طويلة
• المنطقة دخلت طورًا جديدًا لا مكان فيه للضعفاء، وأن موازين القوة لا تُصان إلا بالقوة ذاتها
قال أستاذ العلاقات الدولية في واشنطن الدكتور عصام صيام إن قرار إيران إغلاق مضيق هرمز يشكل تطورًا بالغ الدلالة في سياق المواجهة الإقليمية المتصاعدة، ويعكس، بصورة لا لبس فيها، جدية الجمهورية الإسلامية في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ولا سيما في جنوب لبنان، فضلًا عن كونه رسالة مباشرة على رفض طهران لما تعتبره خروقات أمريكية لبنود مذكرة التفاهم القائمة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذه الخطوة الإيرانية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد العسكري والسياسي الأوسع في المنطقة، ولا عن تداعيات الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، موضحًا أن طهران، رغم الكلفة البشرية والعسكرية التي تكبدتها، ما تزال تحتفظ بنفوذ إقليمي واسع وأدوات تأثير فعالة، خصوصًا في الساحة اللبنانية.
وبيّن صيّام أن حزب الله فاجأ المراقبين، بل وحتى خصومه في الداخل اللبناني والخارج، بمستوى الجهوزية العسكرية والقدرة على إيلام إسرائيل، مبينًا أن الحزب، وعلى الرغم من الضربات التي تلقاها، سواء عبر حادثة "البيجر" أو اغتيال أمينه العام السيد حسن نصر الله وعدد من قياداته في الصف الأول، استطاع أن يعيد ترتيب قدراته سريعًا، وأن يفرض معادلة ميدانية قاسية على إسرائيل، انعكست في ارتفاع عدد قتلى جيش الاحتلال إلى مستويات غير مسبوقة خلال فترة زمنية قصيرة.
ولفت إلى أن إيران، في موازاة الأداء العسكري لحلفائها، أدارت مفاوضاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعقلية ندية غير مألوفة في السلوك السياسي العربي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرًا أن الرسالة الإيرانية كانت واضحة، فأي اعتداء إسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، بوصفها معقل حزب الله ورمزًا لمحور المقاومة، سيُقابل برد عسكري مباشر ومؤلم.
ونوّه صيام إلى أن هذا السلوك الإيراني يعكس، في جوهره، قطيعة مع ثقافة "ضبط النفس" التي حكمت المقاربة العربية للصراع مع إسرائيل لعقود طويلة، تحت ذرائع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي أو تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، موضحًا أن طهران أرادت من خلال هذه السياسة أن تؤسس لقواعد اشتباك جديدة قوامها الرد بالمثل، وعدم ترك الساحة لإسرائيل لتتصرف بلا كلفة.
وفي معرض رده على الاتهامات التي توجه إلى حزب الله بشأن ارتهانه للقرار الإيراني، قال صيام إن اختزال الحزب في كونه مجرد أداة تنفيذية للسياسة الإيرانية يتجاهل السياق التاريخي والسياسي لنشأته ومساره، موضحًا أن الحزب، منذ تأسيسه عام 1982 عقب اجتياح بيروت وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، بنى شرعيته على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وأن علاقته بطهران، مهما بلغت من عمق، لا تُسقط عنه هذا البعد المركزي في تعريف ذاته ودوره.
واستطرد صيام قائلًا إن إيران، منذ ثورة عام 1979، لم تُخفِ عداءها لإسرائيل، إذ جعلت من دعم حركات المقاومة في لبنان، وفلسطين، واليمن جزءًا من عقيدتها السياسية والإقليمية، وهو خيار كلّفها، بحسب صيام، أثمانًا اقتصادية وسياسية باهظة بفعل العقوبات والعزلة الدولية، ما يجعل دعمها لهذه القوى، في نظرها، امتدادًا لرؤية استراتيجية لا مجرد أداة تكتيكية عابرة.
وأشار إلى أن إصرار طهران على إدراج لبنان ضمن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار يعكس حجم الثقل التفاوضي الذي باتت تملكه، ويجسد، في الوقت ذاته، تمسكها بعدم التخلي عن حلفائها في المنطقة، مضيفًا أن قرار إغلاق مضيق هرمز يجب أن يُقرأ أيضًا بوصفه رسالة متعددة الاتجاهات؛ فهو موجه إلى الداخل الإيراني، ولا سيما إلى التيار المتشدد، كما أنه موجه إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فضلًا عن دول الخليج التي تراقب بقلق مآلات التفاهم الأمريكي الإيراني المؤقت.
وذكر صيام أن هذه الخطوة تحمل أيضًا رسالة مباشرة إلى الدولة اللبنانية، مفادها أن إيران وحزب الله يرفضان سلفًا أي مسار تفاوضي قد يفضي إلى إعادة إنتاج تفاهمات من طراز "اتفاق 17 أيار"، أو أي صيغة تُنتقص من موقع الحزب وسلاحه ودوره في المعادلة اللبنانية والإقليمية.
وخلص إلى أن التطورات الأخيرة تكرّس، من وجهة نظره، تحولًا في طبيعة السلوك الإيراني من الدفاع إلى فرض قواعد ردع هجومية، مضيفًا أن الرسالة الأوضح التي تسعى طهران إلى ترسيخها في الوعي الإقليمي هي أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا لا مكان فيه للضعفاء، وأن موازين القوة لا تُصان إلا بالقوة ذاتها.







