الطويقات يكتب ....راية تعرف الطريق
الدكتور أجمل الطويقات
قبل أكثر من قرن، خرجت راية من قلب الحجاز تحمل حلم أمة، وتبحث عن رجال يؤمنون بما تحمل. وحين وجدتهم، مضت معهم من رمال الثورة العربية الكبرى إلى ميادين الكفاح، ومن خيام الثائرين إلى ساحات البناء.
كانت ترى الرجال يسقطون، لكنها لم تكن ترى الأحلام تسقط. وكانت تسمع صهيل الخيل يخبو في مكان ليولد في مكان آخر. وكلما ظن الناس أن الطريق طال، كانت ترفرف فوق الرؤوس كأنها تقول: ما زال في العمر متسع للوصول.
وحين استقرت في الأردن، لم تشعر بالغربة، فقد عرفت وجوهًا تشبه الذين حملوها أول مرة، وعرفت قلوبًا تؤمن أن الأوطان تُحرس بأسوار من إخلاص ووفاء وحسن انتماء.
ومنذ ذلك اليوم، والراية تروي الحكاية نفسها؛ حكاية ثورة أنجبت دولة، ودولة أنجبت جيشًا، وجيشًا ظل يحرس الحلم جيلًا بعد جيل.
وفي كل عام، حين يطل العاشر من حزيران، تبدو الراية وكأنها تتوقف قليلًا أمام مرآة الزمن، لتتأمل ما أنجزه الرجال الذين تعاقبوا على حمل الأمانة. ففي هذا اليوم تتعانق ثلاثة معانٍ في مشهد واحد: ذكرى الثورة العربية الكبرى، ويوم الجيش، وعيد الجلوس الملكي. ثلاثة فصول، لكنها تنتمي إلى رواية واحدة، عنوانها الأردن.
تتذكر الراية طلقتها الأولى، يوم كانت الحرية حلمًا يتسع لأمة كاملة، ويوم خرج الأحرار يطلبون مستقبلًا يليق بتاريخهم. ثم تتذكر وجوه الجنود الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، ووقفوا على الثغور كما تقف الجبال على أطراف السماء، لا تنحني لعاصفة، ولا تساوم على شبر من الكرامة.
وإذا كانت الجيوش في بعض البلاد قوة تحمي الحدود، فإن الجيش العربي كان، وما يزال، أكثر من ذلك. كان ابن القرية والبادية والمدينة، وكان صورة الناس حين يلبسون ثوب التضحية. لذلك لم يكن غريبًا أن يكتب ملاحمه في صفحات الشرف، وأن تبقى معارك فلسطين إلى معركة الكرامة وغيرها من محطات البطولة علامات مضيئة في الوجدان الوطني، لا يبهت نورها مهما تعاقبت الأعوام.
أما عيد الجلوس الملكي، فتراه الراية محطة وفاء لمسيرة ممتدة، حافظ فيها الأردن على اتزانه وسط إقليم تضج أرضه بالتحولات والعواصف. وكما تمسك الشجرة العتيقة جذورها عميقًا في التراب لتقاوم الريح، ظل الوطن متمسكًا بثوابته، مستندًا إلى قيادة هاشمية حملت إرث الثورة ورسالتها، وإلى شعب عرف أن الأوطان تبنى بالعمل والصبر والإيمان.
ولعل أجمل ما تراه الراية، وهي تراقب المشهد من عليائها، أنها ترفرف فوق القصور والثكنات، وفوق البيوت البسيطة أيضًا. تراها فوق رأس المعلم وهو يغرس المعرفة في عقول طلبته، وفوق كتف الفلاح وهو يحرث أرضه منتظرًا موسم الخير، وفوق يد الأم وهي تودع ابنها إلى موقعه عمله، وفوق أطفال المدارس وهم يرفعونها ببراءة.
هناك تدرك الراية أن سر الأردن لم يكن يومًا في قلة موارده أو كثرتها، ولا في صعوبة الجغرافيا أو سهولتها، بل في الإنسان الأردني؛ ذلك الذي كلما ضاقت به الظروف اتسع للوطن، وكلما أثقلته الأيام حمل الأمل ومضى.
وفي هذا العاشر من حزيران، نستحضر مسيرة لم تنقطع. كما نستحضر الثورة وهي تضيء أول الطريق، والجيش وهو يحرسه، والقيادة وهي تمضي به نحو المستقبل. نستحضر وطنًا كتب حكايته بالصبر أكثر مما كتبها بالحبر، وبالعمل أكثر مما كتبها بالشعارات.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والعافية، وحفظ جيشه العربي المصطفوي، وقيادته الهاشمية، وأبقى هذه الراية خفاقة في المعالي، تعرف الطريق كما عرفته دائمًا، وتهدي أبناءها إلى الوطن كلما ازدحمت الطرق وتشعبت المسالك، وهي تدرك تماما أن فصول الثورة العربية الكبرى لم تنته بعد حتى يسترد الحق كاملاً القدس الشريف وفلسطين.







