اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

حين يكتب الصمت سيرته: غواية الروح في «همسات الروح» لرزان الرابي

{title}
أخبار الأردن -

بن معمر الحاج عيسى بن معمر  - ناقد جزائري

 

ليست بعض الكتب نصوصًا تُقرأ فحسب، بل حالات شعورية تُعاش، ومساحات روحية يُعاد اكتشاف الذات داخلها. ومن هذا الأفق يطلّ كتاب «همسات الروح» للكاتبة رزان الرابي بوصفه تجربة وجدانية تنتمي إلى ذلك الأدب الذي لا يكتفي بسرد المشاعر، بل يحوّلها إلى رؤى، ولا يكتفي بوصف الأحاسيس، بل يجعل منها لغة كاملة تتكلم بها الروح حين تعجز الكلمات التقليدية عن حمل أثقالها. فمنذ العتبة الأولى للكتاب ندرك أننا لسنا أمام مجموعة خواطر عابرة كُتبت تحت تأثير لحظة انفعال مؤقتة، بل أمام مشروع شعوري متكامل يسعى إلى إعادة الاعتبار للصمت بوصفه لغة، وللحلم بوصفه خلاصًا، وللكلمة بوصفها فعل مقاومة ضد التآكل الداخلي الذي تفرضه الحياة الحديثة على الإنسان. إن الكاتبة لا تدخل إلى عالمها من باب الحكاية، بل من باب الهمس؛ لذلك تبدو نصوصها أشبه بخطوات خفيفة فوق أرض القلب، أو كموسيقى بعيدة تصل إلى القارئ قبل أن يدرك مصدرها.
منذ الإهداء والاستهلال تضعنا الكاتبة أمام جوهر تجربتها، إذ تؤكد أن الكتابة لديها ليست صناعة لغوية بقدر ما هي انبثاق وجداني خالص، فتقول: «وإلى من علّمني أن الحرف حين يُكتب بصدق، يُهدي اللمس أرواحًا لم نعرفها يومًا». هذه العبارة تكشف المفتاح الحقيقي لفهم الكتاب؛ فالنصوص لا تبحث عن الإبهار البلاغي بقدر ما تبحث عن الصدق الشعوري. ولذلك فإن القيمة الجمالية في «همسات الروح» لا تنبع من براعة الصياغة وحدها، بل من ذلك التواطؤ العميق بين التجربة واللغة، بين الوجدان والتعبير، حيث تتحول الكلمة إلى أثر حيّ ينبض بما وراءها من شجن وأمل وتأمل.

 

وأول ما يلفت القارئ في هذا العمل هو الحضور الطاغي لفلسفة الصمت. فالصمت هنا ليس حالة سلبية أو فراغًا لغويًا، بل كيان فاعل ومؤسس للمعنى. إنه رحم الكلمات ومهد الرؤى. تقول الكاتبة في استهلالها: «تولد الكلمة من رحم الصمت». وهي عبارة لا تحمل بعدًا شعريًا فحسب، بل تنطوي على رؤية فكرية عميقة ترى أن أكثر الحقائق الإنسانية أصالة لا تولد في الضجيج، وإنما في العزلة والتأمل والإصغاء إلى الداخل. ومن هنا تتكرر مفردة الصمت في معظم نصوص الكتاب لا بوصفها مفردة لغوية، بل بوصفها فضاءً وجوديًا تتحرك داخله الروح وتكتشف ذاتها.
وتنجح رزان الرابي في بناء عالمها الرمزي عبر منظومة من الصور المتكررة التي تتحول مع الوقت إلى علامات دالة على رؤيتها الخاصة للحياة. فالمطر ليس مطرًا، والفجر ليس فجرًا، والشجرة ليست شجرة، والظل ليس ظلًا. كل هذه العناصر تخرج من معناها المباشر لتدخل فضاء الرمز والإيحاء. ففي نص «همسات المطر على نوافذ الروح» يتحول المطر إلى كائن حميمي يعيد للذات توازنها المفقود، فتكتب: «المطر هو ذاك الصديق الذي لا يعلن حضوره، بل يأتي على مهل». هنا لا نتعامل مع وصف طبيعي، بل مع استعارة إنسانية عميقة تجعل من المطر صورة للتطهر الروحي، وللقدرة على غسل الندوب الخفية التي تتركها الحياة في الأعماق.
وإذا كان المطر في الكتاب رمزًا للتجدد، فإن الفجر يتحول إلى رمز للبعث والانبعاث. ففي نص «همس الفجر بين أنامل الحلم» يصبح الفجر وعدًا أخلاقيًا وجماليًا بالبدء من جديد، حيث تقول الكاتبة: «الفجر ليس مجرد نور يتسلل إلى الغرف، بل هو وعد يهمس لنا: ابدأ من جديد». وهي عبارة تختصر جانبًا مهمًا من فلسفة الكتاب كلها؛ فالنصوص رغم ما يعتريها من حزن وتأمل ووحدة، لا تستسلم لليأس أبدًا، بل تجعل من الأمل جوهرًا خفيًا يتدفق تحت السطور مثل نهر صامت.
ومن أبرز ملامح هذا العمل قدرته على تحويل الأشياء البسيطة إلى أسئلة كبرى. فالشجرة الوحيدة في غابة الصمت ليست مجرد عنصر طبيعي، بل استعارة للإنسان الذي يقاوم العزلة بالإيمان. والحجر الصامت ليس جمادًا باردًا، بل رمز للصبر والقدرة على الاحتمال. والظل ليس غيابًا للضوء، بل حكاية أخرى للضوء نفسه. هذه القدرة على استنطاق الأشياء ومنحها بعدًا فلسفيًا تمنح النصوص كثافة دلالية تجعلها تتجاوز حدود الخاطرة التقليدية إلى فضاء أقرب إلى التأمل الشعري المفتوح.

 



وعلى المستوى الفني، تمتلك الكاتبة حسًا تصويريًا لافتًا. فالصورة عندها لا تُبنى على الزخرفة اللغوية، بل على التوتر بين المرئي واللامرئي، بين الحاضر والغائب، بين الواقع والحلم. ومن أجمل صورها قولها: «الصمت ليس فراغًا، بل فضاء تولد فيه الأحلام». ففي هذه الجملة تتكثف رؤية كاملة للحياة، حيث يتحول ما يظنه الناس فراغًا إلى مصدر للامتلاء، وما يبدونه غيابًا إلى شكل آخر من الحضور.
كما أن الكتاب يكشف عن وعي واضح بأهمية الإيقاع الداخلي للنثر. فالنصوص تعتمد على التكرار الفني والتوازي التركيبي والجمل القصيرة ذات النبرة التأملية، مما يمنحها موسيقى خفية تتسلل إلى القارئ دون ضجيج. وهذا الإيقاع ليس مجرد زينة أسلوبية، بل عنصر جوهري في تشكيل المعنى؛ لأن الكتاب قائم أساسًا على فكرة الهمس، والهمس لا يحتمل الصخب اللغوي ولا الجمل المتورمة، بل يحتاج إلى لغة شفافة تقترب من النبض.
غير أن أهم ما يميز «همسات الروح» هو صدقه الإنساني. فالكاتبة لا تكتب من برج عاجي، ولا تتقمص دور الحكيم الذي يمتلك الحقيقة، بل تكتب من موقع الإنسان الذي يجرّب ويتألم ويحلم وينكسر ثم يعاود الوقوف. تقول في المقدمة: «لم أكتب بالحبر، بل بشيء يشبه النفس حين تختنق وتجد خلاصها في الكتابة». وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير حرارة النصوص وعمق تأثيرها؛ لأن القارئ يشعر أنه أمام تجربة معاشة لا أمام إنشاء أدبي بارد.
وإذا كان من حق النقد أن يبحث عن مواطن الضعف كما يبحث عن مواطن القوة، فإن الملاحظة الأبرز على الكتاب تتمثل في هيمنة الحقل الدلالي نفسه على معظم النصوص. فمفردات الروح والحلم والصمت والأمل والضوء تتكرر بكثافة، الأمر الذي يمنح الكتاب وحدة عضوية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يقلل أحيانًا من تنوع التجربة الموضوعية. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من القيمة الفنية للعمل بقدر ما تكشف عن طبيعة المشروع الجمالي الذي اختارته الكاتبة؛ فهي لا تسعى إلى التنقل بين العوالم، بل إلى الحفر العميق في عالم واحد هو عالم الروح الإنسانية.
وفي النهاية، يمكن القول إن «همسات الروح» ليس كتاب خواطر بالمعنى الشائع للكلمة، بل نص طويل عن الإنسان وهو يبحث عن نفسه بين ركام الأيام. إنه محاولة جمالية لإعادة اكتشاف الأشياء التي فقدت بريقها تحت وطأة السرعة والضجيج؛ الصمت، الحلم، التأمل، الإصغاء، الأمل. إنه كتاب يذكّرنا بأن أكثر الأصوات تأثيرًا ليست تلك التي تصرخ، بل تلك التي تهمس. وأن أجمل الكلمات ليست التي تُقال بصوت مرتفع، بل تلك التي تستقر في أعماق القلب وتبقى هناك طويلًا. لقد استطاعت رزان الرابي أن تجعل من الحرف نافذة على الداخل الإنساني، ومن الخاطرة مساحة للتأمل الوجودي، ومن الهمسة قصيدة ممتدة على مئة صفحة من الضوء والحنين والأسئلة. ولذلك فإن هذا العمل لا يُغلق بانتهاء القراءة، بل يبدأ أثره الحقيقي بعد الصفحة الأخيرة، حين يكتشف القارئ أن بعض النصوص لا تُقرأ مرة واحدة، لأنها في كل قراءة تهمس بمعنى جديد، وتفتح بابًا آخر نحو الروح.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية