تثبيت الفائدة يقترب.. الأسواق المالية بين التضخم والحروب واتجاه الذهب
تتجه أنظار الأسواق المالية خلال الفترة الحالية نحو قرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حيث تشير التوقعات إلى أن أسعار الفائدة قد تبقى ثابتة ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75%، وهو المستوى الذي استقرت عنده السياسة النقدية منذ فترة.
هذا التثبيت لا يعكس بالضرورة انتهاء ضغوط التضخم، بل يشير غالباً إلى أن الاحتياطي الفيدرالي يرى أن وتيرة ارتفاع الأسعار بدأت بالهدوء نسبياً، رغم أن الواقع الاقتصادي ما زال يحمل إشارات معاكسة.
فعلى الرغم من هذا الاستقرار في السياسة النقدية، لا تزال عوامل التضخم قائمة وبقوة، مدفوعة باستمرار الإنفاق الحكومي، وتوسع السياسات المالية، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحروب التي تضغط على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء. هذه العناصر مجتمعة تعيد فتح النقاش حول ما إذا كنا أمام بداية "حلقة تضخم جديدة"، قد لا تكون مؤقتة كما يتوقع البعض.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل العامل السياسي في المعادلة، والذي غالباً ما يكون مؤثراً بشكل مباشر على الدولار، وعلى شهية المخاطرة في الأسواق العالمية. يضيف هذا العامل طبقة إضافية من عدم اليقين، تؤثر بشكل غير مباشر على حركة الذهب.
ماذا عن الذهب؟
الملاحظ في سلوك الأسواق أن الذهب لم يعد يتحرك فقط بناءً على الأخبار، بل وفق التوقعات المستقبلية التي يتم تسعيرها مسبقاً.
فعلى سبيل المثال، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية، شهد الذهب في فترات سابقة تراجعاً ملحوظاً إلى مستويات قريبة من 4300 دولار، وهذا يعكس أن السوق استوعب جزءاً كبيراً من هذه المخاطر مسبقاً.
بناءً على هذا السلوك، لا يبدو أن السيناريو السلبي الحاد هو الأقرب في المرحلة الحالية، حيث من غير المتوقع وفق المعطيات الراهنة أن نشهد هبوطاً قوياً دون مستويات 4000 دولار خلال العام، ما لم تحدث صدمة اقتصادية غير متوقعة.
في المقابل، يميل الاتجاه العام على المدى المتوسط إلى الإيجابية، مع احتمالية تسجيل صعود تدريجي، لكنه غير مباشر، يتخلله تصحيحات طبيعية نتيجة حركة المتداولين وجني الأرباح.
ما هي رسالة السوق الحقيقية؟
إن عدنا إلى تجربة 2022 مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، نجد أن الذهب ارتفع في البداية بشكل واضح نتيجة صدمة الأسواق وارتفاع التضخم وأسعار الطاقة. لكنه لاحقاً فقد زخمه مع بدء الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بشكل قوي، ما أدى إلى ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وبالتالي تراجع الذهب رغم استمرار نفس الظروف الجيوسياسية.
هذه التجربة تؤكد أن العلاقة بين التضخم والحروب من جهة، والذهب من جهة أخرى، ليست علاقة مباشرة أو ثابتة، بل تخضع بالدرجة الأولى لاتجاه السياسة النقدية وتوقعات السوق بشأنها. بمعنى آخر، ما يحدد اتجاه الذهب ليس الحدث نفسه، بل كيف يُسعّر هذا الحدث داخل الأسواق.
هل من قراءة ختامية للسوق وإدارة المخاطر؟
في المرحلة الحالية، قد تبدو الفرص متاحة أمام المستثمرين متوسطين وطويلي الأجل لبناء مراكز تدريجية على الذهب، خصوصاً في ظل تثبيت الفائدة واستمرار الضبابية الاقتصادية.
لكن، في المقابل، تبقى تقلبات السوق عاملاً أساسياً لا يمكن تجاهله، ما يجعل إدارة المخاطر عنصراً حاسماً، خاصة للمتداولين قصيري الأجل. فالانضباط في حجم المخاطرة، وعدم تجاوز نسب مرتفعة في الصفقة الواحدة، إلى جانب استخدام الرافعة المالية بحذر، كلها عناصر قد تكون الفارق بين الاستمرارية في السوق أو الخروج المبكر منه.





