خيار نهائي غير مستبعد قد يورط المنطقة بحرب كبرى
قال الباحث في العلاقات الدولية والشأن الأمريكي الدكتور كمال الزغول إن التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة في مياه الخليج لا يمكن فصلها عن سياق "الضغط الأقصى" الذي تسعى واشنطن إلى تكريسه تمهيدًا لأي مسار تفاوضي مع طهران، موضحًا أن هذا التصعيد يحمل في جوهره رسالة سياسية أكثر من كونه عملًا عسكريًا بحتًا، إذ يهدف إلى إرساء معادلة قوة تخدم الموقف التفاوضي الأمريكي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، تسعى إلى دخول أي مفاوضات من موقع تفوق ميداني، مستندة إلى حشد عسكري يتجاوز 10 آلاف جندي في منطقة الخليج، إلى جانب تعزيزات بحرية واضحة، بهدف فرض معادلة تفاوضية غير متكافئة تمنحها أوراق ضغط أقوى وتضيّق هامش المناورة الإيراني.
وبيّن الزغول أن هذا التحرك يأتي في ظل جهود وساطة مكثفة، خاصة من الجانب الباكستاني، الذي سعى إلى فتح نافذة للحوار بين الطرفين، لافتًا إلى أن واشنطن تسعى في الوقت ذاته إلى تسويق هذا التصعيد داخليًا باعتباره نجاحًا في دفع إيران نحو المفاوضات، مما يعزز من موقفها السياسي أمام الرأي العام الأمريكي.
ولفت إلى أن مشهد التوتر في مضيق هرمز يعكس حالة "حصار مقابل حصار"، حيث جاء التحرك الأمريكي ردًا على إجراءات إيرانية سابقة، إلا أن القلق الأمريكي يتصاعد من احتمالية تطور المشهد إلى حصار ثلاثي الأبعاد قد يمتد إلى باب المندب، وهو ما من شأنه تعقيد المشهد الاستراتيجي ورفع كلفة المواجهة، وربما دفع إيران إلى تصعيد أوسع.
ونوّه الزغول إلى أن المشهد لا يقتصر على صراع بين دولتين، إذ يتداخل فيه انقسام داخلي لدى الطرفين؛ ففي إيران يتوزع القرار بين المؤسسة السياسية والحرس الثوري، بينما تشهد الولايات المتحدة تباينًا بين تيار متشدد يقوده ترامب، وآخر أقل حدة يمثله نائب الرئيس وبعض الدوائر السياسية، مما يضيف طبقة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي.
وفي خضم هذا التصعيد، طرح الزغول تساؤلًا مرتبطًا بما إذا كان يتمحور الهدف حول البرنامج النووي الإيراني فحسب، أم أن النفط والغاز يشكلان البعد الأعمق للصراع، إذ إنه وبحسب الزغول، يتحرك ترامب وفق مقاربة تقوم على توسيع سلّة الشروط وتكثيف الضغوط لانتزاع تنازلات سريعة، ورغم أن الخطاب العلني يركز على تقييد تخصيب اليورانيوم وكبح الطموح النووي الإيراني، إلا أن خلفية المشهد تكشف عن أبعاد اقتصادية واستراتيجية أوسع.
فالولايات المتحدة، في سياق تنافسها المتصاعد مع الصين، تدرك أن التحكم بمفاصل الطاقة العالمية يمنحها ورقة تأثير حاسمة في موازين القوة الدولية، ومن هذا المنطلق، فإن الضغط على إيران لا يندرج فقط ضمن اعتبارات الأمن النووي، فهو يأتي أيضًا في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ في أسواق النفط والغاز، وتقليص قدرة الخصوم على الوصول إلى مصادر الطاقة الحيوية، وفي هذا السياق، لا تبدو ملفات مثل فنزويلا أو غيرها معزولة، ذلك أنها تندرج ضمن نهج أمريكي أشمل لإعادة ضبط سوق الطاقة العالمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أما داخليًا، فإن عامل التوقيت لا يقل أهمية عن مضمون أي اتفاق محتمل؛ إذ يدرك ترامب أن إنجازًا تفاوضيًا - وإن كان جزئيًا - يمكن تسويقه للناخب الأمريكي باعتباره نجاحًا تاريخيًا في "إيقاف إيران عند حدّها"، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ومن ثمّ، فإن أي تفاهم سريع قد يخدم الحسابات السياسية الداخلية بقدر ما يعكس توازنات الخارج.
وخلص إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة تتمثل في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، أو استمرار الحصار البحري مع احتكاكات محدودة، أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تُفضي إلى خسائر كبيرة وتفتح الباب أمام تصعيد إقليمي متعدد الجبهات، مستطردًا أن الخيار النهائي سيتوقف على مدى قدرة الأطراف على احتواء التوتر أو استثماره في تحقيق مكاسب سياسية.







