اختتام تدريب متخصص في الزرقاء لتعزيز السلامة الرقمية للصحفيات
اختتمت شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن تدريبًا متخصصًا ومكثفًا استمر على مدار يومين في محافظة الزرقاء، بمشاركة (22) صحفية وإعلامية من مختلف المؤسسات الإعلامية المحلية والمجتمعية والمنصات الرقمية، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتعزيز الحماية الرقمية للصحفيات وتمكينهن من مواجهة التحديات المتزايدة في الفضاء الرقمي.
وجاء هذا التدريب، الذي تم تنفيذه بالتعاون مع جلوبال پروچكت پارتنرز الألمانية، في سياق عمل الشبكة على بناء صمود رقمي مستدام لدى الصحفيات، وتعزيز قدرتهن على حماية أنفسهن من التهديدات والانتهاكات الرقمية التي تشهد تصاعدًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. ويكتسب هذا النوع من التدخلات أهمية خاصة في ظل محدودية فرص الوصول إلى التدريب والدعم التقني والقانوني، لا سيما خارج العاصمة عمّان، حيث تواجه العديد من الصحفيات تحديات مركّبة تتعلق بضعف الموارد، وغياب أنظمة الحماية داخل المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى القيود الاجتماعية التي تزيد من هشاشة وضعهن في الفضاء الرقمي.
ويأتي تنفيذ هذا التدريب استجابةً لواقع بات فيه العنف الرقمي أحد أبرز التحديات التي تواجه النساء العاملات في الإعلام، حيث لم يعد يقتصر على التعليقات المسيئة أو التنمر الإلكتروني، بل تطور ليشمل التهديد المباشر، والتشهير المنظم، وانتهاك الخصوصية، وسرقة الحسابات، ومحاولات الابتزاز، ما يجعله أداة ضغط حقيقية تهدف إلى إسكات الصحفيات وتقليص حضورهن في المجال العام. وفي هذا السياق، سعى التدريب إلى تقديم مقاربة شاملة تعالج هذه الظاهرة من زوايا متعددة، تجمع بين الفهم القانوني، والتمكين التقني، وتعزيز الوعي المهني والنفسي.
وتضمّن البرنامج التدريبي سلسلة من الجلسات التفاعلية التي مزجت بين الطرح النظري والتطبيق العملي. ففي المحور الأول، تم التركيز على الإطار التشريعي الناظم للفضاء الرقمي في الأردن، حيث جرى استعراض أبرز القوانين ذات الصلة، وعلى رأسها قانون الجرائم الإلكترونية، مع توضيح المواد المرتبطة بحماية الأفراد من التشهير والتهديد والابتزاز، وآليات تقديم الشكاوى، والتعامل مع وحدات الجرائم الإلكترونية. كما تم فتح نقاش معمّق حول التحديات التي تواجه الصحفيات عند اللجوء إلى المسار القانوني، بما في ذلك الخوف من التصعيد أو ضعف المعرفة بالإجراءات القانونية.
أما المحور الثاني، فقد ركّز على آليات حماية الصحفيات من العنف الرقمي، حيث تم تزويد المشاركات بأدوات عملية للتعامل مع الانتهاكات، بدءًا من التوثيق الآمن للأدلة الرقمية، مرورًا بإدارة الهجمات الإلكترونية والتعامل مع حملات التشهير، وصولًا إلى بناء استراتيجيات شخصية ومهنية للاستجابة للأزمات الرقمية. كما تم التأكيد على أهمية التضامن بين الصحفيات، وبناء شبكات دعم مهنية تتيح تبادل الخبرات والمساندة في مواجهة هذه التحديات.
وفي المحور الثالث، تناول التدريب أسس السلامة الرقمية بشكل عملي ومباشر، حيث تم تدريب المشاركات على تأمين حساباتهن الرقمية باستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل خاصية التحقق الثنائي، والتعرف على أساليب التصيد الإلكتروني والروابط الخبيثة، إلى جانب حماية الأجهزة والمراسلات، وإدارة الخصوصية على منصات التواصل الاجتماعي. وشملت هذه الجلسات تمارين تطبيقية ساعدت المشاركات على اختبار أدوات الحماية بشكل فوري، ما عزز من فهمهن العملي للمخاطر وكيفية الوقاية منها.
ولم يقتصر التدريب على الجوانب التقنية والقانونية فحسب، بل أتاح مساحة آمنة لتبادل التجارب الشخصية بين المشاركات، حيث عبّرت العديد من الصحفيات عن تجاربهن مع العنف الرقمي، بما في ذلك التهديد، والتنمر، والتشهير، وما يرافق ذلك من آثار نفسية ومهنية عميقة، مثل القلق، والخوف، والعزلة، والتردد في النشر أو الانسحاب من العمل الصحفي. وقد أسهمت هذه النقاشات في تعزيز الوعي بأن العنف الرقمي ليس تجربة فردية معزولة، بل ظاهرة ممنهجة تتطلب استجابة جماعية. ومؤسسية.كما أظهرت الحوارات التي شهدها التدريب وجود فجوة واضحة في استجابة بعض المؤسسات الإعلامية لقضايا العنف الرقمي، حيث أشارت المشاركات إلى غياب سياسات داخلية واضحة لحماية الصحفيات، أو تحميلهن المسؤولية الفردية عن ما يتعرضن له على منصات التواصل الاجتماعي. وفي هذا الإطار، شدد التدريب على أهمية تطوير بروتوكولات مؤسسية تضمن حماية الصحفيات، وتوفير الدعم القانوني والنفسي لهن، بما يعزز من بيئة العمل الآمنة والداعمة.
وأكدت شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات في الأردن أن هذا التدريب يشكّل جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تمكين الصحفيات ليس فقط بالمعرفة، بل بالأدوات العملية التي تعزز من قدرتهن على الاستمرار في العمل الصحفي بثقة وأمان. كما تسعى الشبكة من خلال هذه التدخلات إلى الدفع نحو تطوير سياسات وتشريعات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي، تأخذ بعين الاعتبار طبيعة العنف الرقمي الذي يستهدف النساء بشكل خاص.
ويُذكر أن الشبكة، التي تأسست عام 2022، تضم اليوم مئات الصحفيات من مختلف وسائل الإعلام، وتعمل على توفير التدريب المتخصص، والدعم القانوني والنفسي، إلى جانب جهود المناصرة الهادفة إلى خلق فضاء رقمي أكثر أمانًا وعدالة، يضمن للصحفيات حقهن في التعبير والعمل دون خوف أو تهديد.







