الدرعاوي يكتب: المصفاة.. ضمانة إستراتيجية وطنية
سلامة الدرعاوي
في ظل الحرب التي تشهدها المنطقة والتوترات المتسارعة التي تلقي بظلالها على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، تبرز مصفاة البترول الأردنية باعتبارها إحدى الركائز الإستراتيجية في منظومة أمن التزود بالطاقة في المملكة.
فالمصفاة تشكل جزءاً محورياً من البنية الاقتصادية الوطنية القادرة على ضمان استمرارية تزويد السوق المحلي بالمشتقات النفطية في مختلف الظروف، بما في ذلك الأزمات الإقليمية التي قد تؤثر على حركة الإمدادات أو استقرار الأسواق العالمية.
في مثل هذه الظروف، يتجلى الدور الحقيقي للمصفاة باعتبارها العصب الرئيسي للاقتصاد الوطني في جانب الطاقة، إذ تتولى تأمين احتياجات المملكة من المشتقات النفطية لمختلف القطاعات الحيوية، بما يشمل قطاع النقل والصناعة وتوليد الكهرباء والطيران، إضافة إلى تلبية احتياجات شركات التسويق المحلية واسطوانات الغاز المنزلي، وذلك دون أي انقطاع في التزود.
وتظهر الأرقام بوضوح حجم الجهد الذي تبذله المصفاة في إدارة ملف أمن الطاقة، فمنذ بداية شهر آذار الحالي استوردت المصفاة باخرتين من النفط الخام بحمولة تقارب مليوني طن، إضافة إلى شحنات أخرى قادمة خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي يعزز المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية إلى مستوى يتجاوز شهرين ونصف تقريباً، وهو مستوى يوفر هامش أمان مريحاً في ظل حالة عدم اليقين التي تشهدها المنطقة.
وتعتمد المصفاة في ذلك على منظومة تخزين متكاملة تمتلكها، إذ تتجاوز الطاقة التخزينية لمستودعاتها نحو 300 ألف طن موزعة بين موقعي الزرقاء والعقبة، وهو ما يتيح قدرة كبيرة على إدارة المخزون الاستراتيجي وتلبية احتياجات السوق المحلي بمختلف قطاعاته الاقتصادية بشكل منتظم ومستقر.
كما يبرز دور المصفاة في إدارة ملف الغاز، حيث يتم تزويدها بشحنات الغاز بمعدل يقارب شحنة كل خمسة أيام، ما يضمن استمرارية تلبية الطلب المحلي على الغاز المنزلي دون أي اضطرابات، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية المتقلبة التي قد تؤثر على مسارات الإمداد التقليدية.
وقد تجسد الدور الاستراتيجي للمصفاة بشكل واضح عندما توقفت إمدادات الغاز عن شركة الكهرباء الوطنية نتيجة انقطاع شحنات الغاز، حيث تحركت المصفاة فوراً لتزويد الشركة الوطنية بالكميات اللازمة من الديزل وزيت الوقود، بما يضمن استمرارية تشغيل محطات توليد الكهرباء، وهذا التدخل السريع يؤكد أن المصفاة تمثل شرياناً رئيسياً في منظومة أمن الطاقة الوطنية، وقادرة على توفير بدائل فورية للحفاظ على استقرار قطاع الكهرباء.
إلى جانب ذلك، تحافظ المصفاة على شبكة علاقات مباشرة مع الموردين الرئيسيين للنفط والمشتقات النفطية في الأسواق العالمية، الأمر الذي يتيح لها تأمين احتياجات المملكة من مختلف المشتقات النفطية بشكل مستمر، حتى في ظل الظروف الجيوسياسية المعقدة التي قد تعطل حركة الإمدادات في بعض المناطق.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن الدور الذي تؤديه المصفاة خصوصاً في ظل المديونية التي تتحملها لصالحها على الحكومة، والتي تصل إلى نحو 650 مليون دينار، يؤكد دورها الوطني الذي يقدم أولوية الامن في قطاع الطاقة على أي معيار آخر.
وعليه، فإن دعم الحكومة للمصفاة يجب ألا يرتبط فقط باعتبارات تشغيلية أو مالية، انما يعكس إدراكاً لأهميتها الاستراتيجية في حماية الاقتصاد الوطني من تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وضمان استقرار التزود بالمشتقات النفطية في مختلف الظروف.
وفي ضوء ما تشهده المنطقة من توترات وحروب وتأثيرات مباشرة على حركة التجارة والطاقة، تصبح أهمية دعم المصفاة كمنشأة وطنية قادرة على إدارة مخزون استراتيجي من النفط والمشتقات، وتأمين احتياجات السوق المحلي دون انقطاع، أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة في الأردن.
لذلك فإن مصفاة البترول الأردنية تبقى اليوم أكثر من مجرد شركة صناعية؛ إنها مؤسسة استراتيجية تؤدي دوراً محورياً في حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة الأزمات.







