شبلي يكتب: تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط وأثرها على الدول العربية
الدكتور سعد شاكر شبلي
في البداية، لا بد من التأكيد على أن الواقع الراهن الذي تمر فيه منطقة الشرق الأوسط قد فرض نفسه بقوة على مجمل العلاقات الدولية. واستناداً إلى آخر التطورات الميدانية والمتغيرات السياسية، نجد أن لهذا الواقع الجديد تداعيات كبيرة على دول الشرق الأوسط وتحديداً الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، التي وجدت نفسها في مرمى النيران مباشرةً، وباتت عنصراً متأثراً بمتغيرات التوازن التي تؤثر في المعادلة الإقليمية بالغة الصعوبة في حلولها، وبغض النظر عن نتيجة الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل.
فمنذ الساعات الأولى للحرب، وجدت دول الخليج العربي نفسها هدفاً مباشراً للرد الإيراني، الذي استخدمته إيران كورقة ضغط أساسية لرفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها . فقد استهدفت إيران دول الخليج الست جميعها، وتلقت الإمارات العربية المتحدة العدد الأكبر من الهجمات تلتها الكويت والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان .
ووفقاً للتقديرات، فإن الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيرات الإيرانية (حوالي 2389 من أصل 2700) استهدفت دول الخليج العربي، وليس إسرائيل فقط . هذا الواقع يضع هذه الدول في قلب العاصفة، حتى وإن كانت تسعى جاهدة للبقاء على الحياد.
في ضوء هذا الواقع، يمكننا تحليل تأثير السيناريوهين المحتملين على الدول العربية على النحو التالي:
السيناريو الأول: صمود إيران أو تحقيقها انتصاراً نسبياً
في هذا السيناريو، ستستمر إيران في اتباع إستراتيجيتها القائمة على "رفع الكلفة" وتحويل الصراع إلى حرب استنزاف اقتصادية وأمنية طويلة الأمد . ومن المتوقع أن التأثيرات على الدول العربية ستكون مكلفة جراء:
- استمرار الاستهداف المباشر للبنية التحتية: ستظل منشآت النفط والغاز والمطارات والموانئ والمواقع الحيوية في دول الخليج هدفاً رئيسياً للضربات الإيرانية، بهدف تعطيل الاقتصاد الخليجي والاقتصاد العالمي المرتبط به .
- دوامة الضغوط الأمريكية: ستواجه دول الخليج ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة بشكل أكثر فعالية في الحرب، سواء عبر تقديم دعم لوجستي أو استخباراتي أو حتى عسكري، وهو ما تسعى هذه الدول جاهدة لتجنبه .
- الشلل الاقتصادي الجزئي: مع استمرار إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل حركة الملاحة فيه، ستستمر صادرات النفط والغاز الخليجية في التراجع، مما سيؤدي إلى نقص حاد في الإيرادات ويهدد استقرارها المالي والاجتماعي على المدى المتوسط .
- تصاعد التوتر الداخلي: قد يؤدي استمرار الحرب إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في بعض الدول الخليجية، إما عبر استهداف الجاليات أو عبر استغلال خلايا نائمة، وذلك ما أشارت إليه تقارير عن إعلان قطر اعتقال خلية تجسس .
السيناريو الثاني: هزيمة إيران أو تراجعها الاستراتيجي الكبير
هذا هو السيناريو الذي تسعى له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، ويحمل في طياته تحولات جيوسياسية كبرى على مستوى المنطقة برمتها، استناداً لنظرية الدومينو وإن أي انفراجة في ملف الأمن الإقليمي ستسمح بتخلص دول الخليج العربي من التهديد المباشر والمزمن الذي تمثله إيران، سواء عبر برنامجها الصاروخي أو عبر دعمها لوكلاء في المنطقة. الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي.
إن إعلإن هزيمة إيران سيؤدي إلى إعادة تقييم التحالفات فهذه الهزيمة قد تقلل من حاجة دول خليجية كبرى مثل السعودية إلى التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل كدرع مواجهة لطهران . فالتطبيع مع إسرائيل كان مدفوعاً إلى حد كبير باعتبارات أمنية واقتصادية، وقد يشهد تراجعاً إذا زال الخطر الإيراني المشترك. كما أن انهيار النفوذ الإيراني سيؤدي إلى تغيير موازين القوى في الصراعات الإقليمية بغد أن يوجه ضربة قاسية لحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن . وهذا سيكون له انعكاسات هائلة:
- في لبنان: قد يتعرض حزب الله لضغط داخلي متزايد لنزع سلاحه، مما قد يعيد تشكيل المشهد السياسي اللبناني ويسهل انتخاب رئيس للجمهورية.
- في اليمن: قد تتغير معادلة الصراع لصالح الحكومة الشرعية والتحالف العربي، مما قد يسرع في إنهاء الحرب هناك.
أما انعكاسات هزيمة إيران على القضية الفلسطينيف: من شأنه سيؤدي إلى تراجع الدعم الإيراني لحركتي حماس والجهاد الإسلامي وبالتالي اضعاف قدرتهما العسكرية بشكل كبير، مما قد يغير ديناميكيات الصراع مع إسرائيل ويعزز توجهات الضم والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية .
التداعيات على دول عربية أخرى
لم يقتصر تأثير الحرب على دول الخليج العربي فحسب، بل امتد ليطال دولاً أخرى:
- الأردن: يتمتع الأردن منذ عدة عقود بحالة من الاستقرار الأمني والسياسي مع محدودية موارده الاقتصادية، وفي هذه الحرب تعرضت البلاد لهجمات إيرانية مباشرة في الأيام الأولى للحرب، ومع استمرار الصراع دخل النظام السياسي في موقف لا يحسد عليه، فهو صديق للولايات المتحدة الأمريكية ويخشى من امتداد نيران الحرب إلى أراضيه أو تأجيج عدم الاستقرار الداخلي.
- مصر: عبرت وزارة الخارجية المصرية عن موقفها الرافض للتصعيد وخطر انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، مع التشديد على الحلول السياسية ، وأن مصر قلقة من تداعيات الحرب على أمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، ومن احتمال زيادة عدم الاستقرار في ليبيا المجاورة.
- لبنان: يعاني النظام السياسي المنقسم أصلاً بين حزب الله وغيره، من تبعات الحرب. فهذا الحزب دخل على خط المواجهة إلى جانب إيران ضد إسرائيل ، مما عرض حالة الأمن في لبنان لخطر الانجرار إلى حرب مدمرة لا طاقة له بها.
مأزق استراتيجي عربي
ما يهمنا في هذا المقال هو التأكيد على أن الدول العربية، وخاصة الخليجية، تجد نفسها اليوم في "متاهة استراتيجية" حقيقية كونها مستهدفة من إيران رغم أنها لم تشارك في الحرب ، وهي بذات الوقت مطالبة من أميركا بالانخراط الأوسع، وأن أي خطوة خاطئة قد تؤدي إلى كارثة اقتصادية وأمنية غير مسبوقة . ومع ذلك، أظهرت التطورات الميدانية حتى الآن أن دول الخليج العربي تمتلك قدرة عالية على الصمود، حيث تمكنت دفاعاتها الجوية من إسقاط الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيرات الإيرانية .كما أنها تمسكت بموقف سياسي موحد عبر مجلس التعاون، رافضاً الانجرار إلى الحرب، ومؤكداً على الحلول الدبلوماسية .
ويبقى من الضروري القول أن هذه الحرب قد أخطأ في تقديرها غالبية الدول المعنية بشؤون الشرق الأوسط سواء كانت كبرى أم إقليمية، فضلاً عن الدول العربية، كونها قد تحولت إلى اختبار صعب ليس فقط لإيران والولايات المتحدة الأمريكية، بل لعدم قدرة المنطقة العربية بأكملها على تجاوز واحدة من أعقد الأزمات في تاريخها الحديث.







