وليد عبد الحي يكتب: أوهام ترامب: يكره الناجح ويبتز الفاشل
وليد عبد الحي
من بين وصايا فرويد المتعلقة بتحليل سيكولوجية "الزعيم " دعوته الى "تجريد الزعيم من صورة المهابة والتقديس"، لان هذه المهابة تشكل تضليلا للوعي إذا سيطرة عليه ، فالرئيس او الزعيم هو "كائن بيولوجي له بنية سيكولوجية كأي فرد آخر، ويتباين عن الآخرين في جوانب محددة مثل مساحة فضاء السلطة التي يمتلكها فعلا او يتوهم انه يمتلكها.ويميل الزعيم –وبخاصة النرجسي مثل ترامب – الى التعبير عن "تفرده" الى مجموعة من السلوكيات التي تستثمر سلطته لتكريس "وهم التفرد " في ذهن القطيع المأخوذ بوهم ذلك التفرد.
ومن بين آليات فهم شخصية ذلك الزعيم ، يتم تحليل السلوك اللفظي له، وهو ما يقع تحت اسم "تحليل الخطاب "، سواء خطاباته المكتوبة او المرتجلة او العابرة، وربط ذلك بلغة الجسد .
ساتوقف هنا عند شخصية ترامب من زاوية محددة وهي " المبالغة " في الخطاب السياسي له ، ولكن ذلك يستوجب من القارئ التحلل من " سطوة الصورة المهيبة بان هذا رئيس الولايات المتحدة بكل ما في ذلك من تعظيم له ولدولته". فكل ما تتبعته من دراسات عن هذا الرئيس الامريكي تؤكد انحطاطه الاخلاقي( ملفات إبستين وانحرافه الجنسي مع القاصرات) وكذبه ونرجسيته المرضية " تقرير ال 37 من علماء النفس الامريكيين " وجهله السياسي" كتاب مستشاره السابق للامن القومي الامريكي جون بولتون" واهتزاز صورته بين افراد عائلته "كتاب ابنة اخيه وهي ماري ترامب والخاص " بميله الشديد للغش " اضافة لكل ما يكتبه احد ابرز علماء العلاقات الدولية المعاصرين مثل ميرشايمر عن "غباء ترامب السياسي ويُسْر التلاعب به".
وسأتوقف هنا عند موضوع المبالغة في خطابه السياسي :
اولا: ظاهرة المبالغة (Exaggeration ) والتضخيم الخطابي(Hyperbole ): تشير عينة من خطابات ترامب لاستخدامه الالفاظ التالية لوصف الظواهر" مثل :
الأعظم، الافضل ، الاقوى ،الاكبر في التاريخ، الهائل، المذهل...ومن نماذج ذلك قوله "هذا اعظم اقتصاد في تاريخنا". وهو هنا يحاول جعل اي امر وكانه حالة لم يسبق ان عاشها المجتمع الامريكي، أو قوله "نحن لنا اقوى جيش في العالم" او قوله ، كل الزعماء اتصلوا بي يريدون اللقاء بي( كل الزعماء ؟)
ثانيا: اصدار الاحكام المطلقة مثل اعتبار ان ما يفعله هناك رضا عالمي عنه ، مثل قوله المتكرر" الجميع يعرف ذلك، الجميع يقول، لم يشاهد احد من قبل مثل هذا الذي اقوم به". اي يحاول زرع فكرة الرضا العام عن "قدراته" رغم ان كل استطلاعات الرأي تشير لخلاف ذلك.
ثالثا :الاستناد الى احصائيات غير دقيقة والمبالغة فيها: كقوله " ملايين وملايين يقفون معي"، الآلاف من الناس ابلغوني، كل الناس قالو لي"..فتعبيرات الملايين والآلاف هي تعبير عن تسلل اللاوعي بالتضخيم الى مفرداته، وهو هنا يحاول تكريس انطباع دون تحديد مصدر دقيق لبياناته الكمية، فهو معني بزرع الفكرة اكثر من عنايته بالدقة.
رابعا: نزوعه للتكثيف العاطفي(Emotional intensifiers )، فنجد ان خطابه يستخدم تعبيرات متكررة مثل : انها كارثة كاملة، انها "دمار شامل" انه وضع لا يصدق"، وتتضح هذه في مواقفه من خصومه ، فهو يقول ان ايران في حالة دمار شامل واقتصاد منهار وغضب شعبي تام على السلطة...وانه دمر بحريتها وكل منصات صواريخها وقضى نهائيا على برنامجها النووي، وان مضيق هرمز مفتوح، ليعود بعد يومين ليقول ان زعماء العالم يتصلوا بي للمشاركة معنا في فتح مضيق هرمز..الخ.
خامسا: التكرار بهدف المبالغة: فقد وردت تعبيرات مثل "عظيم وعظيم جدا" في خطاباته اكثر من 820 مرة طبقا لاحد التقارير ، او تعبير حققنا نجاح هائل وهائل جدا"، فرسومه الجمركية التي فرضها على العالم "حققت نتائج مذهلة وهائلة" رغم ان القطاع الرئيسي من الاقتصاديين لا يوافقون على صحة هذه الفكرة ولو نسبيا، فهو هنا يحاول ان يُعْلي احساسه النفسي بحجم انجازاته.
سادسا: تركيزه المفرط على تفرده، فمثلا تكررت عبارات " انا وحدي استطيع اصلاح ذلك" او قوله " لا احد فعل ما فعلته" او تعبير لا احد يفهم هذا اكثر مني"، فتضخم وهم الادراك لديه يكاد ان يكون مطلقا ، والا كيف نفهم تعبيراته التالية: حققنا فيه انتصارا كاملا"، ما فعله بايدن كارثة كاملة،" الاتفاق الذي وقعته اتفاق مثالي". فهو هنا يبسط الامور المعقدة ليغذي وهم القدرة لديه.
سابعا: الاتكاء على الغائب: اي انه يروي وقائع دون تحديد الطرف الآخر المشارك معه في الواقعة، فنجد عبارات مثل :التقيت بشخص قال لي" ياتي الناس الي دائما ويقولون لي انهم يكرهون ايران، او اعضاء من الحزب الديمقراطي يكرهون تصرفات بايدن..فهو يحاول ان يرسم صورة قاتمة لكل من لا يرضى عنه مستندا لمجهولين.
الخلاصة:
ان متابعة الروح العامة التي بدأت تتكرس في مجتمعات العالم حول شخصية ترامب تشير الى "اهتزاز" صورته بشكل متواصل ، فعدد غير قليل من الممثلين المعروفين في قطاعات السينما او المسرح الغربي يقدمون صورة كاريكاتورية لترامب، وبعض الصحف الغربية تنقل "وشوشات "بين الزعماء الغربيين حول شخصيته غير المتوازنة، واستطلاعات الراي العام تشير الى تآكل هذه الصورة، فرغم ارتباطه الوثيق بتيارات المسيحية الصهيونية ،فان تزايدا واضحا في الدعوات لفصل الامن الامريكي عن "التوريط الاسرائيلي" تشير لها استطلاعات مراكز الابحاث الامريكي بشكل واضح.
ويكفي التوقف عند بعض ابرز اعضاء النخبة الفكرية الامريكية وموقفهم من شخصية ترامب وسياساته:
1- الفيلسوف ما يكل ساندل(جامعة هارفارد): يحذر من ما اسماه استبداد الجدارة (The Tyranny of Merit)، فترامب يشعر باحتقار النخب له فيميل للانتقام منهم وهو ما يتضح في هجماته على الجامعات الامريكية الكبرى.
2- عالم النفس الامريكي ستيفن بينكر(هارفارد) ، وهو من اطلق تعبير متلازمة هارفارد الجنونية(Harvard Derangement Syndrome) ردا على تحريض ترامب على هارفارد.
3- توماس زودهوف( حاصل على جائزة نوبل في علم الاعصاب): يرى هذا العالم ان لدى ترامب نزوعا قويا "لتدمير النخبة"
4- بريندان نيهان(احد علماء السياسة الامريكيين في كلية دارتموث) يرى ان هناك معارضة واسعة لترامب لكنها صامتة ، وهو ما يؤسس لبداية تنامي فيروس الاستبداد الذي ينقثه ترامب ، بدليل التغيير المستمر في اشخاص ادارته وهجومه على المحاكم الامريكية.
5- ريان اينوس( استاذ العلوم السياسية في هارفارد) من اكثر المحرضين لافراد النخبة على التمرد على سياسات ترامب بل على وجوده في السلطة نظرا لمساهماته في تشويه صورة الولايات المتحدة.
6- بسكارا سونكارا(رئيس تحرير مجلة The Nation المشهورة، الذي يرى ان ترامب يساهم في تكريس ثقافة الاستبداد بمنع اي صوت يعارضه.
ويمكن ادراج قوائم طويلة ممن يطرحون في مناقشة شخصية وسياسات ترامب موضوعات لم تكن تخطر على بال النخبة الأمريكية، فهم يعتبروا هذه الظواهر ممكنة في العالم الثالث ،لكنها تسللت للولايات المتحدة مع ترامب.
ان موقف ترامب من الصين(من منظور علم النفس السياسي) ناجم عن النجاح الصيني المتواصل وشعوره العميق بتهديدها للمكانة الامريكية بتقديم نموذج تنموي متفوق في اغلب المجالات، فهو لا يريد –سيكولوجيا- ان يسرق هذا النموذج الألق الامريكي ، فيثيره القول ان الصين هي صاحبة اكبر فائض تجاري والولايات المتحدة هي صاحبة اكبر عجز تجاري ، وبالمقابل فهو لا ينظر للزعماء العرب الا كتابع او "كمحفظة مالية" ، ويدرك ضعف شعبيتهم وضعف قدراتهم البنيوية ، فيبتزهم اقصى ابتزاز..
ادعو الزعماء العرب الى ادراك ان العمر السياسي لترامب ليس طويلا، وسيترك صورة ساخرة له في المخزون الذهني، وكل التصاق بسياسات هذا " الأرعن " سيمتد لكل زعيم من مريديه وحوارييه...فترامب اصبح في التاريخ السياسي الامريكي من الموبقات...ربما.







