حياصات يكتب: عصر النسخ واللصق: هل بقي مكان للمثقف؟

{title}
أخبار الأردن -


أ.د. علي حياصات 
لم يعد من الصعب اليوم أن يبدو المرء مثقفاً من ناحية الشكل، فهاتف ذكي وبعض الاقتباسات المتداولة، وربما فيديو قصير مولد بالذكاء الاصطناعي، قد تمنح صاحبها مظهر المعرفة دون أن تمنحه جوهرها. في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، يبرز سؤال جوهري، هل انتهى زمن المثقف؟
في الماضي، كان المثقف يُعرَّف بقدرته على امتلاك المعرفة، وكان بمثابة مكتبة متحركة في زمن ندرة المعلومة. لكن ثورة الإنترنت والذكاء الاصطناعي قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب. المعلومات اليوم متاحة للجميع، بل ويمكن للآلة أن تسترجعها وتعيد صياغتها في ثوانٍ.
غير أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وجود معرفة حقيقية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تخزين النصوص وتحليلها، لكنه يظل عاجزاً عن تبني موقف أخلاقي أو نقدي تجاهها، وعن منحها روحاً إنسانيّة، وعن معايشة قلق الأسئلة التي شكلت جوهر الفكر الإنساني عبر التاريخ.
لم يعد المطلوب أن يكون المثقف حافظاً للمعلومات، بل قادراً على تحويل هذا الفيض الهائل منها إلى معرفة ذات معنى، وتحويل المعرفة إلى حكمة تمس الواقع. فالمثقف الحقيقي لم يعد موسوعة أجوبة، بل مهندس أسئلة ، فالمعرفة في زمن الوفرة لا تُقاس بما نعرفه، بل بالأسئلة التي نملك الجرأة على طرحها.
ما نراه يومياً على المنصات الرقمية يقدم مثالاً واضحاً. مع تصاعد الحرب الدائرة حالياً في منطقة الشرق الأوسط، تمتلئ الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع قصيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي، تُتداول بوصفها تحليلات أو حقائق، لكنها (مع الأسف) لا تخلو من العواطف والغيبيات والخزعبلات. بعض من يروجون لها يقدمون أنفسهم كمثقفين، بينما لا يفعلون سوى إعادة نشر محتوى لم يخضع لأي تدقيق أو تفكير نقدي. هذا يعيد طرح سؤال قديم، هل كان بعض المثقفين في الحقيقة مجرد ناقلين للمعلومة لا محللين لها؟ وربما يقودنا ذلك أيضاً إلى مراجعة الطريقة التي انتقلت بها المعرفة في ثقافتنا العربية الإسلامية عبر القرون، بالتكرار لا بالتمحيص، وبالرواية لا بالنقد.
ربما لم يُنهِ الذكاء الاصطناعي زمن المثقف كما يظن البعض، بل أعاد تعريفه، فبعد أن كان المثقف وعاءً للمعلومات ، أصبح اليوم مطالباً بأن يكون حارساً للمعنى، وهذا الحارس تحديداً لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكونه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية