الرواشدة يكتب: الدولار الأميركي ينهار ودول البريكس السبب

{title}
أخبار الأردن -

 

أنس الرواشدة

شهد العقدان الأخيران تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة أعادت تشكيل موازين القوى العالمية. في قلب هذه التحولات تبرز مجموعة دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا، والمنضمون الجدد)، التي لم تعد مجرد تكتل اقتصادي ناشئ، بل أصبحت قوة دافعة نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. يتمحور أحد أبرز أهداف هذه المجموعة، سواء بشكل معلن أو ضمني، حول تقويض الهيمنة المستمرة للدولار الأميركي على التجارة العالمية والاحتياطيات المالية. يمثل السعي نحو إسقاط الدولار هدفًا استراتيجيًا طويل الأمد، يهدف إلى استعادة السيادة الاقتصادية للدول النامية وتقليل التعرض للعقوبات والسياسات النقدية الخارجية، مما يتطلب تحولًا سريعًا وقويًا في البنية المالية الدولية.
كانت الهيمنة المطلقة للدولار الأميركي، التي تأسست بعد اتفاق بريتون وودز في عام 1944، ركيزة أساسية للقوة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة. هذه الهيمنة، المعروفة باسم الاحتياطي العالمي، تمنح واشنطن امتيازات هائلة، أبرزها القدرة على تمويل عجزها التجاري عبر طباعة العملة التي يطلبها العالم، والقدرة على فرض عقوبات فعالة عبر التحكم في شبكات الدفع العالمية مثل سويفت. ومع ذلك، فإن الاستخدام المتزايد لسلطة الدولار كسلاح جيوسياسي، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008 والعقوبات واسعة النطاق المفروضة مؤخرًا على روسيا، كان بمثابة جرس إنذار للدول الكبرى الأخرى، وخصوصًا أعضاء البريكس.
أدركت دول البريكس أن الاعتماد المفرط على الدولار يعرض اقتصاداتها لتقلبات غير مرغوب فيها ويجعلها عرضة للضغوط السياسية الخارجية. كان التحول السريع والواضح نحو تقليل الدولرة مدفوعًا بضرورة استراتيجية. بدأت روسيا والصين، وهما أكبر ضحايا العقوبات المالية الغربية، في تبني آليات تسوية ثنائية بالعملات المحلية. على سبيل المثال، ارتفعت نسبة التجارة بين روسيا والصين التي تتم بالتسوية باليوان والروبل بشكل كبير، متجاوزة الاعتماد على الدولار في قطاعات الطاقة والسلع الأساسية.
إن الاستراتيجية الأبرز التي يتبعها البريكس هي تعزيز استخدام العملات الوطنية في التجارة البينية. تمثل هذه الخطوة تحديًا مباشرًا للمكانة المركزية للدولار في المعاملات عبر الحدود. توسع هذا التوجه ليشمل دولًا أخرى من خارج التكتل التقليدي، حيث أبدت دول مثل إيران وتركيا والإمارات العربية المتحدة اهتمامًا متزايدًا بالتجارة بالعملات المحلية مع الأعضاء الرئيسيين. هذا التوجه لا يقتصر على التجارة فقط، بل يمتد إلى الأسواق المالية واحتياطيات البنوك المركزية. تسعى هذه الدول لزيادة حيازتها من الذهب والعملات الأخرى كبدائل آمنة للاحتياطيات المقومة بالدولار.
إلى جانب الجهود الثنائية، يمثل إنشاء آليات مالية بديلة لتعزيز الاستقلال خطوة محورية. يعد بنك التنمية الجديد (NDB)، الذي أنشأه البريكس كبديل لبنك التنمية الدولي الذي تهيمن عليه المؤسسات الغربية، مثالاً بارزًا. يركز البنك على تمويل مشاريع البنية التحتية في الدول الأعضاء والنامية باستخدام عملات مختلفة، مما يقلل الحاجة للاقتراض بالدولار.
ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر والأكثر طموحًا هو تطوير عملة مشتركة أو نظام مقاصة آلي (Clearing Mechanism) يعمل خارج نطاق سيطرة الدولار. في قمة جوهانسبرغ الأخيرة، ناقش القادة بجدية مقترحات تهدف إلى إنشاء نظام دفع قائم على العملات المحلية أو حتى عملة احتياطية رقمية مدعومة بسلة من سلع أساسية. نجاح مثل هذا النظام سيتطلب تنسيقًا نقديًا وسياسيًا هائلاً بين دول ذات أنظمة اقتصادية متباينة، مثل الصين ذات النظام المركزي والهند ذات النظام الديمقراطي السوقي.
يجب الاعتراف بأن إسقاط الدولار عملية بطيئة ومعقدة وليست حدثًا مفاجئًا. الدولار يتمتع بميزة القصور الذاتي الهائل، المدعوم ببنية تحتية مالية راسخة، وسوق سندات دين أمريكية لا مثيل له من حيث السيولة والعمق، والشفافية النسبية (رغم القيود) التي تتمتع بها الأنظمة القانونية الغربية مقارنة ببعض الأسواق الناشئة. لا يمكن لدول البريكس أن تحل محل الدولار في المدى القصير، لكنها تهدف إلى تآكل حصته تدريجيًا.
يشير التحول السريع في دور البريكس، خاصة بعد التوسع الأخير ليشمل دولًا مثل مصر وإيران والسعودية، إلى تسارع الجهود نحو فصل اقتصاداتها عن النظام المالي التقليدي. ضم السعودية، وهي أحد أكبر منتجي النفط ومورد رئيسي للدولار عبر تسعير النفط، يحمل دلالة عميقة على نية استكشاف بدائل لآلية النفط مقابل الدولار أو البترودولار.
في الختام، يمثل التحول الذي تقوده دول البريكس نحو تحدي هيمنة الدولار الأميركي انعكاسًا لتغير هيكلي أوسع في النظام العالمي. هذا التحول، المدعوم بالتكنولوجيا المالية الحديثة، والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، والرغبة المشتركة في تعزيز السيادة، يسير بخطوات واثقة نحو بناء نظام مالي متعدد الأقطاب. ورغم أن الطريق طويل أمام إزاحة الدولار بالكامل، إلا أن الإجراءات السريعة والملموسة التي يتخذها البريكس لتعزيز التسويات بالعملات المحلية وتطوير بنى تحتية مالية بديلة تؤكد أن مرحلة الاعتماد الأحادي قد بدأت تتراجع لصالح مرونة وتنوع أكبر في المشهد المالي العالمي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية