أبو زينة يكتب: حصيلة العرب من حرب إيران: "خاسر-خاسر"..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


تضج المنشورات والمواقع الإلكترونية لمراكز الفكر بالمداخلات والنقاشات عن حرب إيران التي تلقي بظلالها على المشهد الدولي كله تقريبا. وتعتمد طريقة المقاربة إلى حد كبير على الهوية الأيديولوجية للصحيفة المعنية أو المركز المعني. ولأن الخلاصات المتعارضة أحيانا تُبنى غالبا على منطق معقول، يجد القارئ نفسه في حالة تشتت. لكنّ ثمة ما يشبه الإجماع بين الخبراء على أن العرب، الذين تُخاض الحرب في إقليمهم -وعلى أراضيهم أحيانًا- سيخرجون خاسرين أيًا يكن السيناريو الذي ستكتبه هذه الحرب.
 

في حال تحقُّق سيناريو تصمد فيه إيران وتخرج من الحرب متماسكة رغم الضربات العسكرية، يرى خبراء أن الحرب قد تنتهي بنتيجة معاكسة لما سعت إليه واشنطن وتل أبيب. وبدلًا من تقويض النفوذ الإيراني، ربما تعزز الحرب مكانة طهران الإقليمية. وعلى سبيل المثال، يرى باتريك ثيروس -وهو دبلوماسي أميركي سابق عمل سفيرًا للولايات المتحدة في قطر- أن الصراع يتجاوز الضربات العسكرية إلى ما يسميه «الصدمة الاستراتيجية» التي تضرب الخليج وأسواق الطاقة العالمية. وفي رأيه، ربما تفرض قدرة إيران على الصمود وإلحاق أضرار بالاقتصاد الإقليمي، سواء بتهديد الملاحة في الخليج أو باستهداف منشآت الطاقة، معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط. وفي هذه الحالة قد تجد الدول العربية نفسها مضطرة إلى التكيف مع إيران أكثر صلابة ومتمتعة بخبرة عسكرية ثمينة -خاصة إذا خرجت من حرب ترى أنها واجهت فيها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معًا.
ويلفت باحثون في «معهد بروكينغز» إلى أن بقاء النظام الإيراني بعد مواجهة عسكرية واسعة قد يعزز شرعيته الداخلية ويمنحه نفوذًا إقليميًا أكبر، على أساس أن الصمود في وجه قوة عسكرية كبرى غالبًا ما يتحول إلى مصدر للتعبئة السياسية داخل الدول. وقد يؤدي هذا السيناريو، بحسب تقديراتهم، إلى شرق أوسط أكثر استقطابًا، حيث تتعزز المحاور الإقليمية ويتصاعد سباق التسلح -ما قد يدفع دول الخليج إلى زيادة إنفاقها العسكري وتكثيف اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية بما يُعمِّق حالة التوتر الدائم في المنطقة.
ويرى خبراء «مؤسسة (راند)» أن الحرب شرعت فعليًا في إنتاج آثار متسلسلة عبر المنطقة، من اضطراب التجارة الجوية والبحرية، إلى ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن والطاقة. وإذا تمكنت إيران من الصمود، فإن هذه التداعيات قد تصبح جزءًا من واقع استراتيجي طويل الأمد، فيه يتحول الخليج إلى مسرح دائم للمواجهة غير المباشرة. ويعني ذلك للعالم العربي احتمال أن يعيش الإقليم لسنوات مع توتر أمني واقتصادي مقيم، حتى لو توقفت العمليات العسكرية المباشرة.
لكنّ السيناريو الأكثر خطورة، كما تقترح مداخلات الخبراء، هو الذي تُكتب فيه خسارة إيران هذه الحب. وبحسب تصورهم فإنه في حال خسرت إيران الحرب أو انهارت مؤسساتها السياسية والعسكرية، فإنها قد تتحول إلى دولة فاشلة -وهو الاحتمال الذي يحذر منه معظم المحللين. وعلى سبيل المثال، يرى ولي نصر، أستاذ للعلاقات الدولية والعميد السابق في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، أن تفكك دولة كبيرة مثل إيران لن يؤدي ببساطة إلى اختفاء خصم استراتيجي للولايات المتحدة، وإنما قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة. ويُذكِّر نصر بحقيقة أن إيران ليست دولة صغيرة يمكن احتواء انهيارها بسهولة، وإنما بلد ضخم يضم عشرات الملايين من السكان وتنوعًا قوميًا ومناطقيًا واسعًا، بحيث يغلب أن يؤدي انهيار السلطة المركزية فيها إلى صراعات داخلية طويلة.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد الدول العربية نفسها أمام موجة من التداعيات غير المتوقعة. ربما تنتج الفوضى داخل إيران صراعات حدودية أو تدفقات لاجئين أو انتشارًا لجماعات مسلحة جديدة. وقد تتحول الأراضي الإيرانية إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية متعارضة. ويحذر محللون في موقع «وور أون ذا روكس» من أن انهيار دولة مركزية في الشرق الأوسط غالبًا ما يخلق فراغًا استراتيجيًا يسعى اللاعبون الإقليميون إلى ملئه، ما قد يفتح الباب أمام سلسلة من النزاعات الجديدة بدلًا من تحقيق الاستقرار.
وقد يصنع انهيار إيران صدمات اقتصادية عميقة، لأنها بلد يصطف بين أكبر منتجي الطاقة في العالم. وقد يؤدي توقف الإنتاج أو تعطل البنية التحتية للطاقة فيها لفترة طويلة إلى اضطرابات مستمرة في أسواق النفط والغاز -وهو ما سيؤثر مباشرة في اقتصادات الخليج والدول العربية المستوردة للطاقة على حد سواء.
على صعيد توازنات القوة في الإقليم، يرى عدد من المحللين أن هزيمة إيران أو انهيارها قد تعيد تشكيل ميزان القوى بين العرب والكيان الصهيوني بصورة جذرية. ووفق تقدير سابق لولي نصر من أيام حرب الاثني عشر يومًا على إيران في حزيران (يونيو)، فإنه «إذا تمكنت إسرائيل من سحق إيران، فسيجد العرب أنفسهم مضطرين للتعامل بشكل أساسي مع قوة إسرائيلية عظمى. لم يكن العرب سعيدين بهيمنة إيرانية... ولا أعتقد أنهم سيكون مرتاحين أيضًا مع إسرائيل تحولت لتصبح قوة عسكرية لا تُنازع في المنطقة».
ويؤكد محللون آخرون أن اختفاء إيران كقوة موازنة قد يعزز التفوق العسكري والسياسي للكيان ويضعف قدرة الدول العربية على موازنته إقليميًا، ما قد يدفع بعض العواصم العربية المترددة إلى التكيف مع الواقع الجديد بتوسيع التعاون الأمني مع الكيان أو التطبيع. ويتحدث باحثون في «مجلس الأطلسي» عن احتمال أن يبدأ انهيار إيران صراعًا مطولًا داخلها على السلطة، يتسابق فيه المنافسون الإقليميين على ملء الفراغ. وبذلك قد يواجه العرب مفارقة استراتيجية مزدوجة: كيان صهيوني أقوى من أي وقت مضى -وإنما مع شرق أوسط أكثر فوضى واضطرابًا.
لا تتعلق معضلة العرب في هذه الحرب بتفضيل انتصار طرف على آخر بقدر ما تتعلق بغياب قدرتهم على التأثير في مسار صراع لا يخصهم بشكل أساسي، ولم يبدؤوه وإنما أُقحِموا فيه، وسيجدون أنفسهم في النهاية مضطرين إلى التكيف مع تداعياته. وإذا كان ثمة ما يمكن أن يتعلموه هذه المرة أيضًا، فهو أنهم ليسوا «شركاء» لأحد، وإنما يُستخدم إقليمهم، مباشرة أو ضمنًا، كساحة لتنافس القوى الكبرى والإقليمية، بينما وضعوا أنفسهم في وضع جردوا فيه أنفسهم من إمكانية التواجد في مكان صنع القرار. ومن الطبيعي أن تُخصص للغائب في هذا الصراع أيضًا حصة «خاسر-خاسر».

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية