الشاشاني يكتب: حتى اللحظه ترامب يخسر حربه
د. راشد الشاشاني
غيّرت الولايات المتحده صاحبة العلامة المسجلة " الفوضى الخلاقة" مرغمة ملامح هذه العلامة ، امتد هذا التغيير الى مختلف مناحي تعامل الولايات المتحدة مع الخارج والداخل معا ، بلغت الفوضى اشدّها في تكرار وتناقض تصريحات ترامب الذي تكلم عن الانتصارات اكثر مما تكلم عنها رؤساء عهد ال 47 عام التي لم يعرف ترامب من شؤون الرئاسة والسياسة والحكم إلّا كيل تهم التقصير والغباء لها .
باتت الولايات المتحدة تتبع سياسة " فوضى الذات " عوضا عن كسب اعتادت خلقه من صناعة فوضى الخارج ، عنْوَن ترامب هذه المرحلة بتصريحات متتابعة لا تليق بموقعه ولا بطبيعة الحالة الراهنة ولا بقيادة معارك مصيرية أجبره على الانزلاق فيها توقه للإثارة و الغريب الذي أرعب من سبقه . أثار و فعل الغريب لكنه جلب الخسارة بدلا من الفائدة التي يتهم من سبقوه بإضاعتها.
امتدت خسارته هذه ـ التي تعني خسارة الولايات المتحدة ـ حتى غطّت مساحات النزاع العسكرية ، السياسية ، الاقتصادية وقبل هذه مكانة الولايات المتحدة المعنوية ، نحن بغنى عن التاكيد ان مجرد خروج ترامب المتكرر والمتتابع مؤكّدا مزاعمه السابقة يعني في حدّ ذاته احساسا عميقا بهزيمة داهمته فور دخوله الحرب ، هذه الهزيمة ضاعفت تاثيرها حين سحبت من ترمب ليونة التحضير لانسحاب مبرمج نصحَتْه به اركان حربه ومفاصل سياسته يصور هذا الانسحاب على انه نصر ، كان تهديد المرشد الجديد مجتبى خامنئي مضيقا صعبا في حالة الانسحاب أشدّ وطأة من ازمة اغلاق مضيق هرمز ؛ لم يعد ممكنا تشكيل انسحاب وفقا لما كان مقررا ؛ اضطرّه هذا الى اتباع تكتيك اخر لم تكتمل ظروفه حتى اللحظة .
فيما يتعلّق بالخسارة العسكرية : مع تقريرنا بالقوة العسكرية الأمريكية الضاربة ومقدار الخسائر اللاحقة بايران ؛ الا ان معيار الربح والخسارة لا يتحدّد بهذه المآلات ، القوة العسكرية الأمريكية لم تتعدى حتى اللحظة جو المعركة ؛ وهو ما يعني بعد هذا العدد من الايام انهيارا للخطط العسكرية المتوقعة قبل البدء بالمعركة ، الحسابات العسكرية تقوم على تأمين غطاء جوي للقوات البرية التي يجب ان يتزامن دخولها مع بدء الضربات الجوية ، ينطبق هذا على القوة البحرية ، هذا الغطاء ينبغي ان يؤمن ازالة وسائل الصدّ والدفاع في وجه القوات الجويّة في خط متزامن مع إزالة مثيلاتها في وجه القوات البرية التي يجب ان لا تتعدى باعتقادنا يوم او يومين او ثلاثه على ابعد تقدير وإلا باتت حسابات المعركة مفاجئة ، بل خاسرة بعد استمرار ضربات يفترض ان تكون انهت جدول اهدافها المحدد مسبقا خلا المدة المفترضة ، استمرار ضربات الجو والبحر بعد ذلك دون سيطرة ارضية ، يعني بالضرورة : ان عين التصويب لم تعد ترى ، كل ما تفعله هو كسب وقت او تضليل او تشويش وترتيب انسحاب او صناعة ارباك وليس من اجل تقدم عسكري بري لا يمكن حسم المعركة ولا تسجيل اولى نقاط الربح فيها من دونه ، تبقى كرتها تتدحرج الى ان توقف ذاتها بذاتها بمعنى مخاطرة بنسبة 100% ، تبقى الضربات ـ والحالة هذه ـ عبثا في الرمال ، مخاطرة بالجنود ، استنزاف للموارد ، والاهم من ذلك : مخاطرة الكشف العسكري امام الخصم ، لقد بدى هذا واضحا حين بدات القوات الأمريكية باستهداف بنية تحتية مدنية في ايران .
في الشان الاقتصادي : الارقام التي اعلن عنها البنتاغون عن تكلفة الايام الاولى ، طلبه 50 مليار دولار إضافية لتعويض استهلاك الاسلحة في ايران ، خسائر ارتفاع اسعار الطاقة ، كلها تشي بعدم توقّع امتداد الحرب حتى هذا الموعد ؛ بل وعدم القدرة على تحمل هذه النفقات ؛ تكشّف بعد اضطرار ترامب للتراجع المؤقت عن الحظر المفروض على النفط الروسي ـ وفقا لواشنطن بوست ـ في خطوة تعدّ واحدة من اهم نقاط الخسارة امام بوتين ، قد يمتد رفع العقوبات هذا الى القطاع الخاص في كوبا ، علاوة على انزعاج دول الخليج التي لن تستطيع الانتظار طويلا قبل انت تبحث عن مخارج اخرى للازمة.
الناحية السياسية : يبدو ان زعماء عهد ال 47 سيكتفون شماته بغباء ترامب السياسي الذي تبين انه امتد الى غبائه التجاري حتى ، فشل ترامب في تحشيد رأي عام ايراني داخلي ؛ حتى مع توسّله دعم جماعات كردية كان مصيرها الفشل ، محاولة اصطياد اوروبا بحثّ السفن على الابحار في مضيق هرمز من اجل دفعها لواجهة الصدام ؛ فشل إقحام حلف الناتو ، وجر تركيا الى مسرح الأحداث سيما مع التلويح بدعم الاكراد ، مع هذه الاحباطات اضطر ترامب لتخفيف سقف الاهداف كثيرا ، يبدو انه تنازل عن اسقاط النظام ومصادرة اليورانيوم.
انعكس هذا المصير غير المتوقع على نتنياهو الذي دأب على اتّباع سنّة ترامب في السير سريعا بالتصريحات في مقابل التعثر في ارض المعركة ؛ والقفز فوق اعلانات عدد قتلى قيادات العدو من اجل تمرير النصر ، تغيّرت لغة نتنياهو المصرّة على اسقاط نظام ايران الى العمل على تركه ضعيفا في حال عدم سقوطه ، بدأ نتنياهو للاستعداد لتراجع ترامب المفاجيء في لحظة ما لم يكن نتنياهو يضع لها حسابا ، بات الوضع في اسرائيل اكثر ارتباكا سيّما امام بقاء تهديد ايران وازدياد تهديد حزب الله بعد خسارة الهدنة معه ، وتيقّن حفاظه على قوّة لا يستهان بها ، لا يمكن معها الإطمنئنان الى مزاعم النصر عليه عززتها اشادة المرشد الجديد مجتبى خامنئي.







