أبو هنية يكتب: عالم ترامب الخيالي ينهار أمام حقيقة الواقع:
حسن أبو هنية
خلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عالماً خيالياً يتطابق مع شخصيته الأبستينية الفاسدة الاستعراضية النرجسية المعتلة، واستثمر رئيس دولة الإبادة المجرم المدان بنيامين نتنياهو النسيج النرجسي الفاسد لتراميب وورطه في حرب عدوانية على إيران تجنبها أسلافة، ولم يكن الوهم الذي شكّل السياسة الأمريكية هو قناعة سخيفة بضعف إيران فحسب، بل خرافة الاعتقاد بإمكانية السيطرة على التصعيد، وأن القوة المحسوبة كفيلة بفرض الخضوع الامتثال على إيران دون إحداث عواقب وخيمة. لكن حقيقة الواقع تكشفت سريعاً، فما أدركته الإدارات الأمريكية السابقة، وهو أن الحرب المحدودة في الخليج نادراً ما تبقى محدودة، وتكمن خطيئة ترامب في غطرسة القوة والخلط بين ما هو وجودي ومصلحي، فقد شجّع ضبط النفس الإيراني واشنطن على قصف منشآتها النووية في يونيو/حزيران 2025. ولأن تلك الضربات، بحسب تقييم ترامب، لم تفضِ إلى رد فعل عنيف، فقد اعتقدت واشنطن أنها تستطيع المضيّ قُدماً - باستهداف القيادة الإيرانية، أو الأصول العسكرية، أو حتى البنية التحتية المدنية - دون تكبّد عواقب وخيمة. وقد ساهم هذا التقدير الخاطئ لضبط النفس والرد في اندلاع أعمال عدائية أوسع نطاقاً.
في حقيقة الواقع، يُشير مسار الحرب إلى أن الافتراض الأساسي لإدارة ترامب كان خاطئًا من أساسه. فبدلًا من حصر ردها للحفاظ على بقاء النظام، شنت إيران -ولا تزال تشن- هجمات على منشآت عسكرية أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك قواعد في قطر والإمارات والبحرين والسعودية والكويت والأردن والعراق، فضلًا عن استهدافها إسرائيل مباشرةً. وهذا النطاق الجغرافي الواسع لهذه الهجمات وحده يُشكك في فرضية إمكانية احتواء التصعيد بشكل مُحكم. لقد تنامى الوهم الترامبي بعد عملية فنزويلا معززاً بسلوك الصبر الإيراني بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران التي استمرت اثني عشر يومًا، حيث سعت إدارة ترامب، من خلال خلق جو من الخوف، إلى إجبار إيران على قبول شروطها من خلال خرافة "السلام بالقوة"، أي "السلام بالإخضاع"، وأجبار إبران على تفكيك برنامجها النووي، وحصر قدراتها الصاروخية في المدى القصير، والتخلي عن تحالفاتها الإقليمية. وعندما فشلت سياسة التخويف، ذهب ترامب إلى الحرب التي اعتقد أنها سريعة وحاسمة، لكن هذه الاستراتيجية استندت -ولا تزال- إلى افتراضٍ هشّ: أن إيران ستحصر الصراع عمدًا في حربٍ محدودة للحفاظ على نظامها، ولطالما كانت حسابات الكلفة/ المنفعة محددة، فتكاليف الحرب هي تحديدًا ما قيّد الولايات المتحدة تاريخيًا، ولم يدر بخلد ترامب طبيعة الرد الإيراني باستهداف إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد واحتمال إغلاق مضيق هرمز وباب المندب ، وضرب منشآت النفط في الخليج، ومهاجمة المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة ما بؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، وصولاً إلى التضخم.
يقف ترامب اليوم على أرض واقع صلب بعيدأ عن أثير الخيال، وهو أمام خيارات صعبة ومدمرة، ، فقد تضطر الولايات المتحدة - بدافع الحفاظ على ماء الوجه - إلى تصعيد الموقف. ومن المرجح أن يتخذ هذا التصعيد أحد شكلين. الأول يتمثل في نشر عشرات، وربما مئات الآلاف من الجنود للإطاحة بالنظام الإيراني، مما يُشير إلى عودة قوية للتدخل العسكري الأمريكي واسع النطاق في الشرق الأوسط. وتتعارض هذه الخطوة بشكل مباشر مع استراتيجية ترامب للأمن القومي ، التي تدعو إلى تجنب "الحروب الأبدية"، وتنص صراحةً على أن أيام هيمنة الشرق الأوسط على السياسة الخارجية الأمريكية قد ولّت، وتؤكد على نقل مسؤولية الأمن الإقليمي بشكل أكبر إلى الشركاء، وعلى رأسهم إسرائيل. أما الخيار الثاني، فهو استخدام الأسلحة النووية لفرض نهاية حاسمة للصراع، كبديل للتورط العسكري العميق. لكن كلا الخيارين ينطوي على تكاليف سياسية واقتصادية باهظة لن ترغب الولايات المتحدة في تحملها. فمن شبه المؤكد أن نشر قوات عسكرية واسعة النطاق سيؤدي إلى تآكل القاعدة السياسية الداخلية التي أوصلت ترامب إلى السلطة تحت شعار " لا مزيد من الحروب الخارجية "، ومن المرجح أن يُكبّد الحزب الجمهوري خسائر انتخابية فادحة. وبعيدًا عن السياسة الداخلية، فإنّ تجدد التورط في الشرق الأوسط سيحول دون تخصيص الولايات المتحدة موارد عسكرية ومالية وسياسية كافية لمواجهة الصين، أو تشديد الضغط على أوروبا، أو الحفاظ على سياساتها القسرية في أمريكا اللاتينية. ويشير التاريخ إلى أنه بمجرد انجرار الولايات المتحدة مجددًا إلى المنطقة، ستواجه صعوبة في الانسحاب السريع، كما حدث في العراق وأفغانستان، والتب كلفت الولايات المتحدة ما يقارب سبعة تريليونات دولار، وهي تجربة تركت أثراً عميقاً على الحسابات السياسية الداخلية.
هذه التكاليف الباهظة هي تحديدًا ما حال دون شنّ الولايات المتحدة حربًا على إيران في الماضي، ولا تزال قائمة حتى الآن. فقد امتنع رؤساء الولايات المتحدة السابقون - جورج دبليو بوش، وأوباما، وبايدن - عن ضرب المنشآت النووية الإيرانية، وذلك أساسًا بسبب مخاوفهم من ردّ إيران المحتمل. ولهذا السبب، قاوم الرئيس بوش الضغوط الإسرائيلية للتصعيد، وفي حالة أوباما، لجأ إلى المفاوضات والتوصل إلى اتفاق رسمي، وهو خطة العمل الشاملة المشتركة ، بعد أن خلص إلى أن البديل هو حربٌ كانت تكاليفها معروفة جيدًا وغير مقبولة.
كشخص نرحسي معتل موهوم سيخرج ترامب قريبا لإعلان نهابة الحرب وحديث النصر، لكن تبعات هذه الحرب على الولايات المتحدة كارثية، لكن السؤال كيف ستتعامل إبران التي ستعلن عن نصرها وتثبيت مكانتها في الشرق الأوسط، والأهم كيف ستتعامل إسرائيل التي ستجد نفسه وحيدة ومعزولة ومكروهة، ودون أفق، وهو ما بدأت تخطط له بالاعتماد على نفسها في عالم متعدد الأقطاب، بالتأكيد ستزداد توحشاً على جوارها القريب، وتشرع في سياسات أكثر عدوانية، لكن ذلك هو إشارة على قرب نهاية مستعمرة استيطانية استعمارية، لم تكترث يوماً يالقانون الدولي، وهي اليوم تتشبث بأساطير الحق والوعد الإلهي المزيف يسيادة إسرائيل من النيل إلى الفرات، والتلبس بقداسة مزيفة لعرق يهودي مختلق "شعب الله المختار"، فما هو قادم هو توحش يستند إلى شلالات الدم في الكتاب المقدس، بانتظار مسيح مزيف يظهر في أورشليم المتخيلة يقود حثالة من المجرمين إلى معركة متوهمة في "هرمجدون"، ولكن ماذا لو ظهر المسيح عليه السلام عند المنارة البيضاء في دمشق، وما مصير التدبيريين من الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية، في الأعوام القادمة ستستعر حرب النبوءات، وسيتفوق الدين تأويلاته المجسدة على التفسيرات الجيوسياسية، ولطالما كانت النبؤات متشابكة بالجيوسياسة,







