أبو زينة يكتب: هل أخطأ ترامب في حساباته الإيرانية..؟!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


في 2 آذار (مارس) نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقابلة أجراها رئيس تحريرها، رافي أرغوال، مع الباحث الأميركي-الإيراني أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جون هوبكنز، ولي نصر. ونصر واحد من أبرز خبراء الشرق الأوسط وإيران في الولايات المتحدة. وبحثت المقابلة المطوّلة في واحد من أهم الأسئلة التي طرحتها- وما تزال- الحرب التي تشنها الولايات المتحدة والكيان الاستعماري الصهيوني على إيران: هل أساءت إدارة الرئيس الأميركي تقدير خصمها الإيراني؟
 

مع أن المقابلة أجريت في وقت مبكر من الحرب، في اليوم الثالث، ألمح نصر إلى أن المقاربة الأميركية لم تقتصر على خطأ تكتيكي في الحسابات العسكرية، وإنما تجاوزته إلى سوء فهم أعمق لبنية النظام الإيراني ومنطقه الإستراتيجي وقدرته على تحمّل الألم.
كانت النقطة الأولى التي أبرزها نصر هي أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- على أهميته الرمزية والسياسية الهائلة- لم يسفر عن شلّ الدولة الإيرانية أو انهيار قدرتها على الرد. وقد كشف هذا التطور، في رأيه، عن خاصية أساسية في النظام الإيراني: أنه صُمم منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية ليكون نظامًا مؤسساتيًا متعدد المراكز، وليس نظامًا يعتمد بالكامل على شخص واحد. وعلى الرغم من الدور المحوري الذي لعبه خامنئي طوال أكثر من ثلاثة عقود، فإن مؤسسات مثل «الحرس الثوري»، و «مجلس الأمن القومي»، ومراكز القرار السياسية والدينية، تشكّل شبكة قيادة قادرة على الاستمرار حتى في حال فقدان القائد الأعلى. وتفسر هذه الحقيقة استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية بعد اغتياله، وتُضعف الرهان «الأميركي-الإسرائيلي» على أن «قطع الرأس» سيؤدي إلى انهيار النظام.
وأشار نصر إلى نقطة مهمة أخرى: الاختلاف الكبير في تعريف «النصر» لدى أطراف الحرب. بالنسبة للولايات المتحدة، يبدو أن أهداف الحرب لم تكن واضحة تمامًا منذ البداية. بحسب نصر، انتقل خطاب الإدارة الأميركية من التركيز على البرنامج النووي الإيراني إلى الحديث عن تغيير النظام، ثم عاد إلى مسألة النووي قبل أن يعود مجددًا إلى هدف إسقاط النظام. ويعكس هذا التذبذب في تحديد الهدف الإستراتيجي غياب رؤية متماسكة للحرب. ولذلك يبدو أن واشنطن يمكن أن تعتبر اغتيال خامنئي بحد ذاته إنجازًا كافيًا لإعلان النصر السياسي.
لكن الصورة تبدو مختلفة تمامًا من منظوري إيران والكيان. من جهته، يسعى الكيان إلى تحقيق نتيجة إستراتيجية أوسع بكثير، تتمثل في إضعاف إيران إلى حد يمنعها من أن تكون قوة إقليمية مؤثرة، بالإضافة إلى تدمير قدراتها الصاروخية. ويتطلب تحقيق هذا الهدف حربًا أطول بكثير مما قد ترغب به واشنطن. وفي المقابل، تنظر إيران إلى الحرب بوصفها معركة وجودية، وتعتقد قيادتها أن قبول وقف إطلاق نار سريع بعد الضربة «الأميركية- الإسرائيلية» سيُفسَّر في واشنطن باعتباره دليلًا على أن الحرب ضد إيران سهلة وقليلة الكلفة، ما قد يشجع على تكرارها في المستقبل. ولذلك تسعى طهران إلى إطالة أمد الحرب ورفع تكلفتها حتى ترسِّخ نوعًا من الردع ضد الولايات المتحدة.
على هذه الخلفية، يبرز مفهوم «تحمّل الألم» كمحور مركزي في تحليل نصر. بحسبه، لا تُحسم الحروب الحديثة بالقوة العسكرية بقدر ما تحسمها قدرة الأطراف على تحمل الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية. ومن هذا المنظور، يرى نصر أن إيران والكيان يمتلكان قدرة أعلى على تحمّل الخسائر مقارنة بالولايات المتحدة. في الجانب الإيراني، يتحمل النظام- رغم التوترات الداخلية- بقدرة كبيرة على قمع المعارضة وتعبئة المجتمع في ظل الحرب. كما أن القيادة السياسية والعسكرية تبدو مقتنعة بأن بقاء النظام يعتمد على الصمود في هذه المواجهة. وفي المقابل، يمتلك الكيان بدوره مجتمعًا أصبح يعتاد على الحروب الطويلة، وتتمتع قيادته بدعم شعبي واسع عندما يتعلق الأمر بمواجهة إيران.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة الحلقة الأضعف سياسيًا في هذا الصراع. كان الرأي العام الأميركي تاريخيًا أقل استعدادًا لتحمّل حروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط. كما أن القاعدة السياسية التي يستند إليها ترامب لا تميل إلى الانخراط في مغامرات عسكرية واسعة. ولذلك، ربما يفرض ارتفاع أسعار الطاقة أو سقوط خسائر أميركية ضغوطًا سياسية كبيرة على البيت الأبيض. هذه الحقيقة تجعل الإستراتيجية الإيرانية تركز على رفع كلفة الحرب اقتصاديًا وسياسيًا على الولايات المتحدة، سواء باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة، أو بضرب الاقتصادات الخليجية المرتبطة بأسواق الطاقة العالمية.
ينعكس هذا المنطق أيضًا في الإستراتيجية العسكرية لإيران، التي تقوم على التصعيد التدريجي وليس الضربات الكبرى المفاجئة. بدلًا من إطلاق موجات ضخمة من الصواريخ دفعة واحدة، تعتمد طهران على هجمات متواصلة منخفضة الكثافة تهدف إلى استنزاف أنظمة الدفاع الجوي في الكيان والقواعد في دول الخليج. وتستند هذه الإستراتيجية إلى معادلة بسيطة: كل طائرة مسيّرة إيرانية رخيصة الثمن يمكن أن تفرض على الخصم استخدام صواريخ اعتراض باهظة الكلفة. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الاستنزاف إلى مشكلة إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
بالإضافة إلى ذلك تسعى إيران إلى توسيع مسرح الحرب جغرافيًا. بدلًا من حصر الصراع في المواجهة المباشرة بينها وبين الكيان والولايات المتحدة، تحاول إدخال أطراف ومناطق أخرى في المعادلة، سواء عن ضرب أهداف في الدول المجاورة أو باحتمال تدخل حلفائها الإقليميين. وليس الهدف من هذا التوسع تحقيق انتصار عسكري حاسم بقدر ما هو جعل الحرب أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة، بحيث يصبح إنهاؤها خيارًا مفضّلًا لواشنطن.
من الواضح أن تحليل نصر المبكر يتحقق إلى حد كبير. وهو يوجه تحذيراً واضحًا: لا يأتي الخطر الأكبر في هذه الحرب من حجم الدمار الذي قد تسببه، وإنما من سوء تقدير كل طرف لحسابات الطرف الآخر. إذا كانت واشنطن قد افترضت أن الضربة الأولى القاسية ستدفع إيران إلى الاستسلام، فإن استمرار الحرب يشير إلى أن هذا الافتراض قد يكون خاطئًا- وهو ما تبيّن إلى حد كبير. وفي مثل هذه الحالات، توقع نصر أن الحرب ربما تتحول من عملية عسكرية محدودة إلى صراع مفتوح يفرض إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بأكمله- وهو ما يحدث فعليًا على الأغلب.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية