الدباس يكتب: دولة الرئيس.. ما لا يقوله الناس بصوتٍ عالٍ..
محمود الدباس - أبو الليث..
حين يثقل التعب في صدور الناس.. لا تعود الكلمات كافية لتجميل الواقع.. ولا تصلح المجاملات ستاراً يخفف وطأة الحقيقة.. بل يصبح الصدق ضرورة لا تحتمل التأجيل.. لأن الأوطان.. لا تُدار بالعبارات المنمّقة.. بل بإرادةٍ ترى الجرح كما هو.. وتمتلك الشجاعة لتضع يدها عليه..
دولة الرئيس.. لا نريدك شعبوياً.. ولا نبحث عن خطاباتٍ حماسيةٍ ترضي الناس ساعة.. ثم تعيدهم إلى خيبتهم في اليوم التالي.. فالشعب لا يريد كلماتٍ تطبطب على كتفه.. بل يريد واقعاً يشعر فيه.. أن تعبه لم يعد يُسرق في وضح النهار.. وأن جهده لم يعد يضيع بين واسطةٍ هنا.. ومحسوبيةٍ هناك..
من الطبيعي.. بل من الضروري.. أن تسعى الحكومة إلى كسب رضا الناس.. فالشعب هو الأصل والأساس في أي معادلة حكم.. لكن هذا الرضا لا يُصنع بالتصريحات.. بل حين يشعر المواطن أن حياته تتحسن.. وأن الدولة تقف إلى جانبه.. لا فوق كتفه.. وعندها فقط.. سيقف الشعب كله معكم.. حتى في أصعب القرارات وأشدها إيلاماً.. لأنه سيؤمن أن ما تفعلونه اليوم.. سيعود عليه وعلى ابنائه خيراً غداً..
لكن.. كيف يمكن للمواطن أن يصدق حسن النية في أي قرار.. وهو يرى الواسطة تعمل أمامه بلا خجل.. ويرى المشكلات تُحل لفئة على حسابه ومن جيبه.. بينما يُطلب منه وحده.. أن يتحمل الأعباء باسم المصلحة العامة؟!..
دولة الرئيس.. لا نطلب منكم المستحيل.. ولا شيئاً خارج صلاحياتكم.. فالأردن لم يكن يوماً بلداً فقيراً في الرجال.. لكنه كثيراً ما تعثر في الإرادة.. وكل ما نطلبه منكم.. إرادةٌ صادقة.. وإدارةٌ حقيقية لشؤون الناس.. التي استأمنكم عليها جلالة الملك.. وأقسمتم عليها أمام الله.. والملك.. والشعب.. ومنحكم ممثلو الأمة ثقتهم لأجلها..
نريدك جراحاً نطاسياً.. لا يخشى المشرط حين يكون الألم هو الطريق الوحيد للشفاء..
نريدك قريباً من هموم الناس.. لا تكتفي بتهدئتهم بل تعمل على حل مشكلاتهم.. نريدك أن تحارب الفساد بالفعل لا بالتصريحات.. وأن تدافع عن حق المواطن بقدر دفاعك عن أي قانون تريد إقراره..
نريدك أن تغير وزراء يؤججون الشارع.. بدل أن يهدئوه.. ويستخفون بعقول الناس.. بدل أن يقدروهم.. وأن تضيّق الفجوة التي تتسع كل يوم بين المواطن والدولة.. قبل أن تصبح حفرةً يصعب ردمها..
نريدك أن تكون شفافاً مع الناس.. تقول لهم ماذا تخطط.. وكيف ستفعل.. ومتى سيشعرون بالنتائج..
نريدك أن تضع حداً لوصول أي نائب إلى أي مسؤول لأجل معاملة شخصية.. أو واسطة.. وأن تُغلق أبواب المحسوبية التي أرهقت الدولة.. قبل أن تظلم الناس.. وأضرت بمستقبلنا جميعا..
نريدك أن تعمل بقوة وأمانة وإخلاص.. ليكون التعيين للكفاءة لا للمعرفة.. وللقدرة لا للقرابة..
نريدك أن تدعم الاستثمار.. لا بالشعارات.. بل بحماية المستثمرين الموجودين قبل البحث عن غيرهم.. فالمستثمر الذي يشعر بالأمان.. هو أفضل رسالة دعوة لأي مستثمر جديد.. ومن هنا فقط تُحارب البطالة.. ويزداد عدد المشتركين في الضمان.. وتبتعد نقطة التعادل.. التي تحولت إلى فزّاعةٍ تخيف الناس كل يوم..
نريدك أن تراجع عمل الهيئات المستقلة التي لا ضرورة لها.. وأن تعيد أعمالها إلى الوزارات الأم.. فالدولة ليست شركة تفتح فروعاً لا أقول حتى بلا حساب.. بل للأسف على حساب المواطن..
ونريدك أن تضع حداً لعقود شراء الخدمات.. التي أصبحت باباً خلفياً للتعيين والواسطة وشراء الولاءات.. فلا يبقى منها.. إلا مَن يثبت أن العمل يتوقف بدونه.. ولا اظن سيبقى منها 1%.. لو عملت على ذلك بحزم..
دولة الرئيس.. إن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم ليس امتيازاً.. بل امتحان.. فالتاريخ.. وميزان العدل الرباني والشعبي.. لا يذكر عدد القرارات التي وقّعتها.. بل يذكر كم ظلماً أوقفت.. وكم حقاً أعدت.. وكم باباً للواسطة أغلقت.. وكم محتاجا أزلت عنه سبب حاجته.. فلو أن بغلة عثرت في العراق.. لخشي عمر ان يسأله الله لمَ لم يمهد لها الطريق..
ونحن اليوم في أيامٍ عظيمة من رمضان.. ندخل العشر الأواخر التي تُرفع فيها الأكف إلى السماء.. ويكون الله أقرب ما يكون إلى دعاء المظلوم والمقهور..
فاجعل بينك وبين تلك الدعوات سداً من العدل.. واتق الله في هذا الشعب الذي ضاق صدره.. فإن دعوة المظلوم إذا خرجت من قلبٍ موجوع.. لا يوقفها منصب.. ولا يحجبها جدار.. ولا تمنعها حراسات.. ولا سيارات مصفحة.. لأنها تمضي مباشرة إلى السماء.. حيث لا سلطان إلا لرب العالمين..







