كراجة يكتب: إيران التي نكره.. والإبراهيموية السياسية

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


عندما يكون الوطن في خطر ومحل هجوم عسكري تسقط الخلافات. نقف معه هكذا، دون تعليل أو تفسير. تتراجع الأيديولوجيات وتُؤجَّل الخلافات الكبرى والصغرى، ونرمي بها على الحدود، ونقف صفًا واحدًا مع الأردن. فالدفاع عن السيادة والأمن أولوية سياسية ودستورية، باعتبار ذلك الفكرة الأولى التي تقوم عليها الدولة ويستقر عليها مفهوم الوطن.
 

الأردن لم يُخفِ تحالفه مع الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن الماضي. ومع ذلك يجب التذكير بأن هذا التحالف لم ينشأ أصلًا في مواجهة إيران. ففي تلك الفترة كانت الولايات المتحدة هي الداعم الرئيسي لحكم الشاه في إيران، وقد ساعدت، مع الموساد، في تأسيس جهاز الأمن الإيراني المعروف بالسافاك، وهو جهاز قمعي اشتهر ببطشه بالشعب الإيراني. صحيح أن اللحظة الحاضرة تقدم بيّنة دامغة على أن تحالف النظام العربي، ومنه الأردن، مع أميركا لم يكن دائمًا الخيار الإستراتيجي الأفضل، لكن هذا أمر آخر، ولا يُساق في «تفهمٍ» معيب وغريب لاستهداف الأردن وشعبه.
لقد فشل النظام العربي وإيران معًا في إدارة علاقتهما. فالتاريخ بين العرب والفرس لم يكن صراعًا دائمًا بل تفاعلًا حضاريًا طويلًا. ويكفي أن نتذكر أسماء مثل سلمان الفارسي، وأبو حنيفة النعمان، والرازي، وابن سينا، والغزالي، والبيروني، لندرك أن الحضارة الإسلامية كانت فضاءً مشتركًا أسهم فيه العرب والفرس معًا، وتشهد ضفاف الخليج العربي وتاريخه الطويل على عمق هذا التداخل القديم.
وعندما ثار الإيرانيون على الشاه عام 1979، استقبلته الولايات المتحدة بحجة العلاج، وهو ما أعاد إلى الذاكرة الإيرانية انقلاب عام 1953 ضد رئيس الوزراء محمد مصدق. وكلما بحثت في سلوك أميركا في المنطقة وجدت أنها كثيرًا ما بدأت بالفعل الأول في مسار الهيمنة والصدام. لذلك يمكن فهم جانب من العداء التاريخي بين إيران والولايات المتحدة، كما يمكن تفسير حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران في بداية الثورة الخمينية.
لكن الدستور الإيراني بعد الثورة الخمينية، الذي يتحدث عن دعم المستضعفين في مواجهة المستكبرين، تحول عمليًا إلى سياسة توسع نفوذ خارج الحدود في العراق وسورية ولبنان واليمن. ومع أن العداء لإسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة عنصر ثابت في الخطاب الإيراني، فإن تصدير الثورة والمذهب الشيعي إلى البيئة العربية كان خطوة قصيرة النظر، أسهمت في تأجيج الصراع مع النظام العربي وأثارت مخاوف واسعة في المجتمعات العربية.
وفي خضم هذه الصراعات برز عامل آخر لا يقل خطورة، وهو استغلال الدين في النزاعات السياسية. وليس الخلل في الدين نفسه ولا في قيمه الأخلاقية، بل في تفسيرات تُوظَّف سياسيًا لخدمة مشاريع القوة والنفوذ. وغير أن هذا الاستخدام للتدين أو للتفسير الديني ليس حكرًا على إيران، فقد استُخدم في مشاريع سياسية متعددة، من المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة إلى الصهيونية الدينية في إسرائيل، وصولًا إلى حركات إسلامية سياسية في المنطقة.
وفي هذا السياق يستوقفني ما أدعوه الإبراهيموية السياسية (Political Abrahamism)، أي توظيف الديانات الإبراهيمية – اليهودية والمسيحية والإسلام – كلٌّ في سياقه السياسي عبر تفسيرات تُسخَّر لخدمة مشاريع تعيد تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط تحت غطاء ديني وثقافي، بينما تتحرك في جوهرها حسابات القوة والمصالح الدولية.
غير أن الصراع في المنطقة ليس صراعًا دينيًا فحسب، حتى وإن استُخدم الدين فيه بكثرة، بل هو في جوهره صراع مصالح ونفوذ. وفي معرض التنظير لهيمنة القوى الكبرى على المنطقة ظهرت نظريات جيوسياسية تحدثت عن السيطرة على قلب أوراسيا وأطرافها، كما عند ماكندر وسبايكمان وبريجنسكي. ومن هذا المنظور يمكن فهم سبب الاهتمام الدولي الكبير بمنطقتنا.
وسط هذه التعقيدات تبدو المنطقة في حاجة إلى مشروع عربي يعيد ترتيب توازناتها، وربما يكون هذا المشروع بقيادة الدول المركزية في النظام العربي، وفي مقدمتها السعودية ومصر ومعهما الأردن، بما يفتح أفقًا لإدارة التوازنات الإقليمية بعيدًا عن منطق الفوضى والصراعات بالوكالة.
لكن وسط كل ذلك تبقى الحقيقة الأقرب إلينا نحن الأردنيين بسيطة وواضحة: الدولة الأردنية مستهدفة، وهي الكيان الذي يجب أن نحافظ عليه؛ فهي ليست مجرد كيان سياسي، بل إطار الأمان والاستقرار لمجتمع كامل يعيش في منطقة مضطربة.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة تتطلب من القوى السياسية الأردنية أن ترتقي إلى مستوى التحدي. فالمطلوب اليوم ليس كسب الشارع أو تسجيل نقاط سياسية عابرة، بل كسب الوطن نفسه. الوقت ليس وقت مزايدات حزبية، بل وقت موقف وطني واضح.
والقول هنا للأحزاب السياسية: إن اللحظة لحظة دولة لا لحظة دعاية. الوقت ليس وقت كسب الشارع، بل كسب الوطن يا جنابكم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية