شبلي يكتب: استشراف تداعيات التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

لا يخفى أن استشراف تداعيات المشهد الدولي جراء التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط يعد أمراً بالغ التعقيد. وبالفعل، ما نشهده اليوم من تطورات في المنطقة يتجاوز كونه مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو تحول جيوسياسي كبير يمكن تلمس آثاره على مستويات متعددة: ميدانية، واقتصادية، وسياسية. وبناءً على المعطيات الراهنة، يمكننا قراءة المشهد من عدة زوايا:

  1. توسع رقعة الحرب وتغير قواعد الاشتباك

ما كان يُخشى منه قد وقع، فالحرب لم تعد مقتصرة على الحدود الإيرانية الإسرائيلية، بل توسعت لتشمل دولاً عدة في المنطقة، هذا التوسع الذي أوجد استهدافات متبادلة وواسعة بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع إيرانية وقادت إلى مقتل المرشد آية الله علي خامنئي ، ردت إيران بطريقة مختلفة ، كما أن العمليات لم تعد مقتصرة على إسرائيل، بل طالت دولاً خليجية تستضيف قواعد أمريكية، وقواعد عسكرية بريطانية وفرنسية في قبرص وأبو ظبي بواسطة الطائرات المسيّرة ،  وهذا يعكس تحولاً في العقيدة القتالية الإيرانية نحو تدويل الصراع وجعل كلفته باهظة على كل الأطراف.

لقد أوجد هذا التصعيد حالة من عدم الأستقرار الداخلي في الدول المجاورة لإيران. فالحرب أشعلت فتيل توترات داخلية في دول مثل العراق ولبنان والبحرين. ففي العراق، أدت الاحتجاجات أمام السفارة الأمريكية والتقارير عن دعم واشنطن لحركات انفصالية كردية إيرانية إلى وضع حكومة إقليم كردستان في موقف حرج للغاية . أما في لبنان، فقد وصل الخلاف بين الحكومة وحزب الله إلى ذروته، مع مطالبات بنزع سلاح الحزب وتأجيل الانتخابات، مما ينذر بمواجهة داخلية كان يتم تجنبها لعقود .

ومن جانب أخر فإن أهداف الحرب من قبل الطرفين الأمريكي والإسرائيلي تجاوزت فكرة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لتصل إلى الحديث الصريح عن تغيير النظام في طهران وإضعاف الدولة الإيرانية كقوة إقليمية، بل وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة بما يخدم مشروع "إسرائيل الكبرى" .

  1. تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط والاقتصاد العالمي

هنا تكمن العقدة الأكثر إيلاماً للاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية، تحول من شريان حيوي إلى أخطر بقعة اختناق في العالم . الأمر الذي خلق صدمة الأسعار، أي أن النتيجة المباشرة هي الاضطراب العنيف الذي نشهده في أسواق النفط. فقد قفزت الأسعار لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل ، وشهدت أعلى زيادة أسبوعية في تاريخ العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنحو 36% . بعض المحللين يحذرون من أن استمرار الإغلاق لأسابيع قليلة قد يدفع الأسعار إلى 150 دولاراً أو أكثر .

كما أدى إغلاق المضيق إلى شلل في الإمدادات بعد توقف شحنات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من كبار المصدرين مثل السعودية والعراق وقطر والكويت والإمارات . وقد اضطرت بعض الدول مثل العراق والكويت لخفض الإنتاج مع امتلاء خزانات التخزين لديها . كما أن السعودية بدأت بالفعل في خفض إنتاجها أيضاً .

واستطراداً لتلك التطورات لا بد من إجابة التساؤل المتعلق بمن المستفيد ومن المتضرر؟ وهنا نقول أن دول آسيا هي الأكثر تضرراً، حيث تستورد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة حوالي 14 مليون برميل يومياً من الخام عبر المضيق. وهذا يهدد بتعطيل مصافي التكرير في هذه الدول وخفض طاقتها الإنتاجية بنسبة قد تصل إلى 30%  أما الولايات المتحدة، فتأثيرها محدود نسبياً لأنها لا تعتمد كثيراً على نفط المنطقة خاصة بعد فرض سيطرتها على انتاج النفط في فنزويلا .

لقد ظهرت محاولات احتواء الأزمة وتهدئة الأسواق، سعت وكالة الطاقة الدولية لتنسيق إطلاق احتياطي نفطي طارئ، وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن برنامج لإعادة التأمين البحري بقيمة 20 مليار دولار : لكن هذه الإجراءات تبدو غير كافية حتى الآن أمام حجم الأزمة.

وفي تطور لافت جديد، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه سيسمح بمرور السفن عبر المضيق للدول التي تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وأمريكا وتطرد سفراءهما . وهذا شرط تعجيزي يهدف على الأرجح إلى تعميق الانقسام الدولي وزيادة الضغط على واشنطن وحلفائها.

  1. التداعيات على المنطقة والعالم والنظام الدولي

الحرب الحالية تفتح صناديق مليئة بالأسئلة حول مستقبل النظام الدولي برمته . وذلك نتيجة انكشاف هشاشة النظام العالمي فالموقف الحالي يظهر عجز المؤسسات متعددة الأطراف عن لعب دور فاعل في منع الحرب أو حتى احتوائها . حتى حلفاء أمريكا المقربون مثل بريطانيا، امتنعوا عن دعمها بشكل كامل، حيث رفضت لندن استخدام قواعدها العسكرية في الهجمات على إيران .

إلى جانب التحالفات الجديدة ففي المقابل، نجد أن إسرائيل تعزز تحالفاتها خارج الإطار الغربي التقليدي، مثل تحالفها الاستراتيجي مع الهند التي تقدم دعماً اقتصادياً وتكنولوجياً . مع الخوف من المزيد حيث برزت مخاوف من أن هذا الصراع قد يكون بداية لمرحلة جديدة من إعادة رسم الحدود والهيمنة الإقليمية، وأن أهدافه لن تتوقف عند إيران بل قد تطال قوى إقليمية أخرى مثل تركيا في المستقبل .

خلاصة المشهد والنظرة المستقبلية

نحن أمام حرب استنزاف شاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فإيران تراهن على قدرتها على الصمود ورفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من خلال استهداف مصالحهم الاقتصادية الحيوية (النفط). في المقابل، يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصرة على موقفها بعدم التفاوض، بل ووصلت إلى حد اشتراط الاستسلام غير المشروط .

ختاماً فإن المؤشرات الميدانية تؤكد أن المنطقة دخلت نفقاً مظلماً من الصراعات الوجودية مع اشتعال النار في منشآت النفط وطرق الشحن، كما يبدو أن "الواقع الجديد" الذي يسعى رئيس وزراء الكيات الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفرضه سيكلف المنطقة والعالم أكثر بكثير مما كان متوقعاً عندما أُطلقت أول رصاصة في هذه الحرب. وستكون الأسابيع القادمة حاسمة، فإما أن تتدخل قوى دولية كبرى لفرض تهدئة تمنع الانهيار الشامل للنظام العالمي، أو نكون أمام مرحلة جديدة كلياً من الفوضى وإعادة تشكيل التحالفات.

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية