المعاقبة تكتب: تحديات الشباب في المجتمع الحديث... جيل كامل تحت الضغط
د.ثروت المعاقبة
يعد الشباب القوة الحقيقية لأي مجتمع، فهم مرحلة العمر التي تمتزج فيها الطاقة والقدرة على التغيير، في هذه المرحلة تحديدا تتبلور الأفكار، وتبنى فيها التطلعات التي يمكن أن تصنع مستقبلا مختلفا للأفراد والمجتمعات، فالشباب لم يعودوا مجرد فئة عمرية، بل هم المحرك للتقدم والتنمية والازدهار، وهم العنصر الأكثر قدرة على الإبداع والتجديد.
ومع تسارع التغيرات أصبح الشباب يواجهون تحديات من نوع آخر تتعلق بالتعليم والعمل والهوية والانتماء إلى جانب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في مسار حياتهم، وبين الطموح والواقع، يقف الشباب أمام مسؤولية كبيرة لرسم مستقبلهم والمساهمة في بناء مجتمع أكثر استقرارا وازدهارا، لذلك فإن فهم قضاياهم والاهتمام بها ضرورة أساسية لضمان تقدم المجتمع واستمراره، لأن مستقبل الأمم يبدأ دائما من احتواء طاقة شبابها والقدرة على تحويل التحديات لفرص حقيقية.
لم يعد الشباب يعيش مرحلة من حياتهم كما كان الحال في السابق، بل أصبحوا يقفون في مواجهة سلسلة متواصلة من الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية ...جيل يحاول أن يجد مكانه في عالم سريع التغير، مليء بالتوقعات ومحدودة الفرص، حيث تتزاحم الأحلام مع الواقع القاسي، ويتحول المستقبل في فكر الكثيرين إلى سؤال مفتوح لا إجابة له.
إن أول التحديات التي تواجه الشباب الضغوط الاقتصادية المتزايدة، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض فرص العمل، يجد الكثير من الشباب أنفسهم عالقين بين شهادات جامعية حصلوا عليها بجهد كبير، وسوق عمل لا يفتح أبوابه لسنوات طويلة، الدراسة والمعدل الجامعي العالي بات لا يضمن للشباب وظيفة، والعمل لا يضمن الاستقرار، مما يدفع الكثير منهم إلى الإحباط والشعور بأن الطريق إلى المستقبل أصبح أطول وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي... أصبح الشباب يعيشون في فضاء مفتوح من المقارنات اليومية منصات تعرض صور النجاح السريع والحياة المثالية المبهرة بينما يعيش الكثير منهم واقعاً مختلفا ومؤلما.... هذه الفجوة بين ما يعرض على الشاشات وما يحدث على أرض الواقع تخلق شعورا بالنقص وعدم الرضا، وتزيد من مستويات القلق والتوتر لدى فئة واسعة من الشباب.
ومن أبرز التحديات التي يعيشها الشباب اليوم أزمة الهوية بين التقليد والتغيير حيث يعيش الشباب صراعا دائما بين قيم المجتمع التقليدية ومتطلبات العصر الحديث فهم مطالبون بالتمسك بالعادات والتقاليد من جهة، وبمواكبة التغيرات العالمية من جهة أخرى.
هذا التناقض يضع الكثيرين في حالة ارتباك فكري واجتماعي دائم، حيث يحاول الشباب التوفيق بين ما يؤمنون به وما يفرضه الواقع الجديد من أنماط حياة مختلفة ومتجدد.
فمن المهم جدا أن نراعي الصحة النفسية للشباب فهي القضية الأخطر التي يجهلها الكثيرين ممن تولوا ملفات الشباب، فالتوتر المستمر، والخوف من المستقبل، والشعور بعدم الاستقرار يمكن أن يقود الشباب إلى حالة متقدمة من القلق أو الاكتئاب، فالمشكلة اليوم أن الشباب لا يجدون مساحة آمنة للتعبير عن معاناتهم، بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالحديث عن المشاكل النفسية.
ورغم التحديات، يبقى الشباب أكثر قدرة على الحلم والتغيير والإبداع، فهم يمتلكون الطاقة والإبداع والقدرة على التكيف مع المستجدات..... لكن هذه الإمكانيات تحتاج إلى بيئة داعمة ومحفزة توفر لهم الفرص الحقيقية، وتستمع إلى صوتهم، وتمنحهم مساحة آمنة وكافية للمشاركة في صنع مستقبلهم.
إن الإشارة إلى تحديات الشباب دعوة لإعادة النظر في السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تلامس حياتهم، فمستقبل أي مجتمع يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة شبابه على العيش بكرامة وتحقيق تطلعاتهم، فالشباب ليسوا مشكلة تحتاج إلى حلول، بل هم طاقة كامنة تحتاج إلى احتواء، وإذا استمرت الضغوط دون تدخل علاجي، فإن المجتمع بأكمله سيدفع ثمن تجاهل جيل يحاول فقط أن يجد مكانه في عالم يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.







