وليد عبد الحي يكتب: بوتين من وراء حجاب

{title}
أخبار الأردن -

 

وليد عبد الحي

منذ 2 مارس الحالي شرع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سلسلة اتصالات بقادة دول مجلس التعاون الخليجي، وأبدى استعداده للعمل على “منع التصعيد سواء في الميدان العسكري او في الحيز الجغرافي للصراع، لكن الملفت هو استجابة ترامب للاتصال “والثناء كالعادة” على المحادثات مع بوتين ووصفها كالعادة ايضا ب”الرائعة”

لكن بوتين ورغم استفادته من ارتفاع اسعار النفط والغاز ، وانصراف الجهود الدبلوماسية والاعلامية عن تقدمه المتواصل في جبهات القتال في أوكرانيا ، وجعل ايران اكثر “لهفة” على مواقفه التي سيستغلها لاحقا ، واملا في تخفيف الضغط عن الواردات الصينية من مصادر الطاقة ، فانه يشعر بقدر من التحوط من احتمال امتداد المعركة الى حدود اوراسيا بعد توتر الموقف بين ايران وكلا من أذربيجان وتركيا .

من جانب آخر، يشعر بوتين بان تقاربه مع اجمالي سياسات الخليج النفطية من زاوية العرض والطلب والاسعار والتي تمت في اكثر من مناسبة، يدفعه للظهور بمظهر الوسيط “الذي يمكن الوثوق به “من الجانب الخليجي ،وما يعزز ذلك هو ان ترامب لا يتورع عن الإطراء على دور بوتين ، وهو ما يجعل الخليج اقل قلقا من ردة فعل امريكية على التقرب من الاستراتيجية الروسية.

ان التوتر في مضيق هرمز وارتفاع الاسعار بشكل متسارع ،دفع ترامب للحديث عن قرب تسوية وانهاء القوة الايرانية النووية والصاروخية بهدف طمأنة الاسواق ،وهو ما اتضح في سرعة استجابة السوق النفطي لهذه الاشارات حتى لو ان مصداقية اقوال ترامب في هذا الشأن تبقى محل شك عميق. إن ارتفاع الاسعار يرافقه ارتفاع التأمين على النقل ، وقد يقود الى تقنين ساعات عمل المصانع مما يؤثر على معدلات النمو الاقتصادي ، وهو ما قد يدفع الى تضخم ناتج عن الخلل بين الكتلة النقدية والكتلة السلعية...الخ.

ان نجاح بوتين في خفض التصعيد او وضع اساس لتسوية قادمة ، يغريه لمواصلة جهوده ، فيضعف الصورة التي رسمها الغرب له بعد أوكرانيا، وليس لدي ادنى شك انه سيربط موضوع اوكرانيا بالموضوع الايراني وبمقايضة يكون مركزها اوروبا تحديدا، بخاصة ان اوروبا هي الاكثر خسارة في الجانب الطاقوي ، فدول الاتحاد الاوروبي(وليس كل اوروبا) تستورد 16 مليون برميل يوميا، فإذا ارتفع السعر 30 دولارا يوميا (كما جرى امس الاول) ،فهذا يعني ما يقارب نصف مليار دولار خسائر اوروبية، فغذا اضفنا لذلك دول اوروبا غير العضو في الاتحاد فان المبلغ يرتفع الى ما يقارب 700 مليون دولار يوميا.

من جانب آخر، فان الملابسات في العلاقات الأذربيجانية الروسية (منذ موضوع انسحاب قوات السلام الروسية من اقليم ناغورني كارباخ عام 2024) هي ملابسات نفطية واستراتيجية وعسكرية وروابط تاريخية ، لكن تنامي القلق الروسي من توجهات اذربيجان الاخيرة ،وبخاصة ان اذربيجان هي مفتاح التوازن الاستراتيجي في منطقة القوقاز الجنوبي ، هو ما يدفع بوتين لمنع تفجر الموقف بين ايران واذربيجان (فسلاح اذربيجان عموده الفقري هو السلاح الروسي، كما ان الممر الدولي (شمال -جنوب) الذي يربط روسيا بكل من ايران والهند يمر عبر الاراضي الاذرية، وازادادت اهمية الممر مع فرض الحصار على روسيا بعد الانفجار الاوكراني.

ويبدو ان الحسابات الروسية وجدت ان التدخل الدبلوماسي يجلب مكاسب لروسيا اكبر من الدبلوماسية السلبية(عدم التدخل) او الانحياز الفاضح لاحد الاطراف ، فبوتين يريد حصد مكاسب لا سماع اناشيد تبجيل، فهو يدرك ان تدخله سيساهم في خلخلة معسكر الخصوم بخاصة إذا ضمن “روائع ترامب” الى جانبه، وسيجعل الصورة الروسية في الخليج اكثر تحفيزا للتنسيق في السياسات النفطية، ناهيك عن استجابته في حالة النجاح للهفة الصينية للسيطرة على اسعار الطاقة ، بل يدعم تراجع التضخم في السوق الامريكي (مقابل مكاسب من ترامب)، ناهيك عن ان ايران ستكون اكثر تجاوبا مع بعض سياسات بوتين في جوانب أخرى إذا نجح في مسعاه.

واعتقد ان اسرائيل هي المتضرر الاكبر من جهود بوتين، فهي تريد استمرار امريكا لايصال ايران الى حد الارهاق الذي يزيد الضغط داخل ايران للانسحاب من المشهد الشرق اوسطي او على الاقل الانكفاء في حدود معينة.

هل سنجد لافروف في العواصم الخليجية؟ ام ان جهود بوتين ستنتهي الى ما انتهت له جهود ترامب في اوكرانيا؟ في تقديري الاولي ان تواري فكرة تغيير النظام في ايران حاليا ، واستمرار القدرة الايرانية على الايذاء الفعلي لخصومها هو ما سيعزز الميل الامريكي -وتابعها الاسرائيلي- للاستجابة لجهود بوتين...ربما.

 

 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية