الفاهوم يكتب: الخدمات الإلكترونية في الأردن بين التقدم التقني ومتطلبات الجاهزية الاستباقية

{title}
أخبار الأردن -

الخدمات الإلكترونية في الأردن بين التقدم التقني ومتطلبات الجاهزية الاستباقية

 

بقلم: الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

لم تعد الخدمات الإلكترونية في عالم اليوم مجرد وسيلة لتسهيل الإجراءات الحكومية أو اختصار الوقت والجهد، بل أصبحت معيارًا حقيقيًا لمدى جاهزية الدول وقدرتها على إدارة مواردها ومؤسساتها بكفاءة واستقرار، خصوصًا في أوقات التوترات الإقليمية والاضطرابات الجيوسياسية. فالدولة التي تستطيع الحفاظ على استمرارية خدماتها العامة رقميًا، حتى في أصعب الظروف، هي الدولة الأكثر قدرة على حماية استقرارها الداخلي وتعزيز ثقة مواطنيها بمؤسساتها.

وفي هذا السياق، خطا الأردن خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في مسار التحول الرقمي، حيث عملت الحكومة على رقمنة عدد كبير من الخدمات الحكومية وإتاحتها عبر منصات رقمية موحدة، مثل تطبيق “سند” وبوابة الخدمات الحكومية الإلكترونية، ضمن رؤية تقودها وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لتعزيز الاقتصاد الرقمي وتطوير الإدارة الحكومية الحديثة. وقد أسهمت هذه الجهود في تسهيل العديد من المعاملات الحكومية وتقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التحول نحو الإدارة الرقمية.

ومع ذلك، فإن قراءة واقعية لتجربة الخدمات الإلكترونية في الأردن تشير إلى أن التحدي لم يعد يتمثل في رقمنة الخدمات بحد ذاتها، بل في جودة هذه الخدمات ومستوى تكاملها وكفاءتها التشغيلية. فالكثير من الخدمات الرقمية ما تزال تعكس في بنيتها الإجراءات التقليدية نفسها، حيث يتم تحويل النموذج الورقي إلى نموذج إلكتروني دون إعادة تصميم حقيقية للإجراءات. وهذا يعني أن التحول الرقمي لم يكتمل بعد، لأن جوهر التحول الحقيقي يكمن في إعادة هندسة العمليات الحكومية بحيث تصبح الخدمات رقمية بطبيعتها منذ البداية، وليس مجرد نسخة إلكترونية من الإجراءات التقليدية.

وتزداد أهمية هذا التحول في ظل البيئة الإقليمية المتوترة التي تشهدها المنطقة، حيث أصبحت البنية الرقمية للدول جزءًا من منظومة الأمن الوطني والمرونة المؤسسية. فإدارة الخدمات الصحية والتعليمية والمالية وخدمات الهوية الرقمية والاتصالات أصبحت تعتمد بدرجة متزايدة على الأنظمة الرقمية، ما يجعل كفاءة هذه الأنظمة واستمراريتها عنصرًا أساسيًا في استقرار الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تسريع الجهود الوطنية في تطوير منظومة الخدمات الإلكترونية وفق رؤية أكثر تكاملًا واستباقية. ويقع في قلب هذه المهمة دور وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، التي يفترض أن تقود المرحلة القادمة من التحول الرقمي عبر تطوير البنية التحتية الرقمية الوطنية، وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية، وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية المتقدمة.

أولى المتطلبات تتمثل في تعزيز البنية التحتية الرقمية السيادية للدولة، بما يشمل تطوير مراكز بيانات حكومية آمنة وأنظمة حوسبة سحابية وطنية قادرة على استضافة الخدمات الحكومية الحساسة وضمان استمراريتها في مختلف الظروف. فالدول التي لا تمتلك سيادة على بياناتها الرقمية تبقى عرضة لمخاطر تقنية واستراتيجية قد تؤثر في أمنها واستقرارها المؤسسي.

أما المتطلب الثاني فيتعلق بتكامل الأنظمة الحكومية وتبادل البيانات بين المؤسسات المختلفة. فنجاح الخدمات الإلكترونية يعتمد على قدرة الجهات الحكومية على العمل ضمن منظومة رقمية واحدة، بحيث يحصل المواطن على الخدمة دون الحاجة إلى تقديم المعلومات نفسها أكثر من مرة أو التنقل بين المؤسسات المختلفة. ويتطلب ذلك تطوير إطار وطني متقدم لحوكمة البيانات وربط الأنظمة الحكومية عبر بنية تكاملية موحدة.

ويبرز المتطلب الثالث في تعزيز الأمن السيبراني وبناء الثقة الرقمية، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني والخدمات المالية الرقمية. فحماية البيانات الشخصية وتأمين البنية الرقمية للدولة أصبحا شرطين أساسيين لضمان استدامة التحول الرقمي وثقة المواطنين في استخدام الخدمات الإلكترونية.

وفي المقابل، يبرز الدور التنظيمي المحوري لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات في ضمان جودة واستمرارية خدمات الاتصالات والإنترنت، باعتبارها العمود الفقري الذي تقوم عليه جميع الخدمات الرقمية. فنجاح الحكومة الإلكترونية يعتمد بصورة مباشرة على كفاءة البنية التحتية للاتصالات، وقدرتها على توفير اتصال مستقر وسريع في جميع مناطق المملكة، بما في ذلك المحافظات والمناطق الطرفية. كما أن التوسع في شبكات الاتصالات الحديثة وتطوير تقنيات الجيل الخامس يشكلان خطوة مهمة في تعزيز البيئة الرقمية الوطنية.

 

ولا يقتصر أثر الخدمات الإلكترونية على تحسين كفاءة الإدارة الحكومية فحسب، بل يمتد ليشمل دعم الاقتصاد الرقمي وتعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال. ففتح البيانات الحكومية، وتطوير واجهات برمجية للخدمات العامة، يمكن أن يتيح المجال أمام الشركات الناشئة لتطوير حلول مبتكرة وخدمات رقمية جديدة، الأمر الذي يسهم في خلق فرص اقتصادية جديدة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

 

إن الأردن يمتلك اليوم قاعدة رقمية واعدة يمكن البناء عليها، لكن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا واضحًا من نهج التطوير التدريجي إلى نهج أكثر سرعة واستباقية في بناء الدولة الرقمية. فالتحديات الإقليمية المتسارعة تفرض على الدول أن تبني منظوماتها الرقمية بحيث تكون قادرة على العمل بكفاءة حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.

 

وفي النهاية، فإن التحول الرقمي ليس مجرد مشروع تقني أو إداري، بل هو مشروع وطني متكامل يرتبط بمستقبل الدولة وقدرتها على إدارة مواردها وتحقيق التنمية المستدامة. فالدولة التي تنجح في بناء منظومة خدمات إلكترونية متكاملة وموثوقة هي الدولة الأكثر قدرة على حماية استقرارها وتعزيز ثقة مواطنيها، وهو الهدف الذي ينبغي أن يشكل بوصلة المرحلة القادمة من التحول الرقمي في الأردن.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية