خطاطبة يكتب: بعد إيران.. المنطقة لن تغلق كتابها

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


في مشهد يُذكرنا بعبارة «حسني البورظان» من مُسلسل صح النوم في سبعينيات القرن الماضي؛ إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا يجب أن نعرف ماذا في البرازيل؟، يُطل علينا التاريخ الإيراني كمُعادلة زمكانية، حيث لا يُمكن فصل الزمان عن المكان، ولا يُمكن قراءة الحاضر دون الغوص في طبقات الماضي.
 

«البورظان» مات رحمه الله قبل أن يكشف سر عبارته، لكن إيران اليوم تكشف لنا أن الاستمرارية الزمنية قد تكون أحيانا مصيدة لا مخرج منها، فمنذ العام 1979 حين أطاحت الثورة الخمينية بالشاه، دخلت إيران في مدار جديد بدأ بحرب الثماني سنوات مع العراق، التي أودت بحياة ما يقارب المليون إنسان، وأغرقت الاقتصاد في عجز تجاوز 50 مليار دولار أميركي آنذاك، ووضعت مداميك الانهيار التالي.
إلى جانب أن الرئيس العراقي الراحل، صدام حُسين، يُقرر في لحظة انفصال عن الواقع، ولقاء عابر مع ابريل غلاسبي، تلقى ما شعر أنها إشارة الأزمة بين العراق والكويت شأن إقليمي لا علاقة للولايات المُتحدة الأميركية به، غير أن الحرب وطريق الموت والمُهانة في خيمة صفوان، ومن ثم حظر الطيران والحصار، فالحرب كان لها رأي آخر.
على الجانب الآخر، خرجت طهران وهي تظن أن الدم المسفوك هو شهادة ميلاد لقوة إقليمية، لكن الفخ كان يتشكل بصمت، بعد سقوط صدام حسين العام 2003، بدا أن العراق صار ساحة مفتوحة أمام النفوذ الإيراني، وظنت طهران مُجددًا أن تسليمها مقاليد العراق كان نتاجًا لفائض قوتها.
وعلى مقربة من ذلك، في بيروت بعد حرب تموز 2006، بدا أن إعادة إعمار الضاحية الجنوبية هو إعلان انتصار رمزي لإيران، لكن خلف الكواليس كان هذا الانتصار يفتح الباب أمام استنزاف جديد، وهو دخول إيران إلى سورية العام 2012 إذ لم يكن توسعًا بقدر ما كان تورطًا في حرب لا نهاية لها.. حرب أنهكت مواردها وأدخلتها في مواجهة مفتوحة مع قوى إقليمية ودولية.
التاريخ يُقدم لنا دروسًا لمن يقرأ، والنموذج البريطاني خير مثال، فبريطانيا التي كانت تحتل نصف العالم، اضطرت بعد الحرب العالمية الثانية إلى الانسحاب من مُستعمراتها، لكنها تركت دولة الاحتلال الإسرائيلي كمنصة نفوذ دائمة منذ وعد بلفور العام 1917، بينما طهران كانت على النقيض، إذ لم تترك منصة إستراتيجية، بل تركت نفسها عالقة في دوامة التوسع بلا خطة خروج.
والأرقام لا تكذب، فالتضخم تجاوز 40 بالمائة في بعض السنوات الأخيرة، وصادرات النفط تراجعت إلى أقل من النصف بفعل العقوبات، والبطالة تضرب أكثر من 25 بالمائة من الشباب.. وهذه ليست مُجرد مؤشرات اقتصادية، بل علامات على أن الزمكان الإيراني يضيق، وأن الاستمرارية التي بدت قوة تتحول إلى عبء تاريخي.
المُفارقة هُنا، أن إيران وهي تظن أنها تتحكم بمصير الإقليم، وجدت نفسها مُحاصرة داخل مقتلة إستراتيجية، فالسيطرة بلا إستراتيجية خروج ليست سوى وهم القوة، والصراعات المُتتابعة والتدخلات الخارجية وتحولات المنطقة بعد العام 2003 كلها أظهرت حدود القُدرات الإيرانية. 
اليوم، الجمهورية الإسلامية تواجه تحديات أكبر مما تتصور قد يسمح لها الصراع الجاري بالخروج من الحرب، لكنها لن تخرج كما دخلت، ما سيبقى هو الجهد للحفاظ على وحدة أراضيها ومواجهة تراكم نصف قرن من التوسع غير المحسوب.
الدرس الذي يطل من هذا الزمكان واضح: القوة بلا إدارة زمنية ومكانية تتحول إلى فخ عبر سلسلة من الاستدراجات التي تُغذي الأوهام وتختبر حدود الدولة.. وفي النهاية لا يهم إن بدت إيران باقية اليوم، فالقوة التي لا تترجم إلى إستراتيجية شاملة لإدارة المكاسب والخسائر تتحول إلى عبء تاريخي، يُعيد تشكيل الدولة والمُجتمع والسياسة للأجيال القادمة.
الزمكان الإيراني يُعلمنا أن الزمن والمكان ليسا إطارين مُحايدين، بل شبكة مُعقدة من الحسابات، يُمكن أن تصنع الدولة أو تدمرها في آن واحد.. وفي ظني أن صفحة طهران ستطوى، لكن المنطقة لن تُغلق كتابها، بل ستفتح دفاتر جديدة على مصاريعها، دفاتر مليئة بالتحولات بالفراغات التي تبحث عمن يملؤها، وبالأسئلة التي لا يملك أحد إجابة جاهزة لها.
والسؤال اللاحق، كيف تتغير موازين القوى؟، وكيف تتحرك المُجتمعات تحت ضغط الأزمات؟، وكيف يُمكن للدول أن تتجنب الوقوع في نفس الفخ الذي ابتلع إيران؟.. وفي قناعتي أن الاستعداد يعني بناء قدرة على المرونة على إدارة المكاسب والخسائر، دون أوهام وعلى صياغة مشروع إقليمي لا يقوم على التوسع، بل على التوازن، فحين تطوى صفحة طهران لن يكون السؤال عن إيران وحدها، بل عن كل من سيجد نفسه أمام صفحات جديدة مفتوحة تنتظر من يكتبها بوعي لا يُكرر أخطاء نصف قرن مضى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية