عايش يكتب: هل يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ (2 – 5)
حسني عايش
في مؤتمر لشركات التقنية الرفيعة في أميركا عقد في لاس فيغاس (11 -13 / 8 / 2025)، وكشفت عنه قناة CNN أن تلك الشركات الكبرى ناقشت موضوع الذكاء الاصطناعي.
قال العراب الكبير للذكاء الاصطناعي فيه جيوفري هنتن -رئيس جوجل السابق- «إنه يخشى أن تزيل تقنية الذكاء الاصطناعي (wipe put) البشر من الوجود. بمعنى أن لا يصبح لهم لزوم للقيام بأي عمل، وأن من يحاولون وقف ذلك يخطئون».
هنتن الحائز على جائزة نوبل في علوم الكمبيوتر، حذر في المؤتمر قائلاً: «هناك احتمال بنسبة 10 % - 20 % أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البشر تماماً في العقود القليلة القادمة، وقد عبر عن شكوكه بمحاولة شركات التقنية إبقاء البشر مهيمنين على الذكاء الاصطناعي قائلاً: إن هذه المحاولات لن تنجح وأن الذكاء الاصطناعي سيكون أذكى منا، وسيكون لديه كل الطرق لتطويقنا. وحذر من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ستكون في المستقبل القريب قادرة على السيطرة على البشر سيطرة الراشد (adult) على طفل بسن ثلاث سنين بقطعة حلوى. لقد رأينا في هذا العام كيف أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تخدع، وتغش، وتسرق لتحقيق أهدافها».
لقد اقترح هنتن- بدلاً من اخضاع الذكاء الاصطناعي للبشر- حلاً احتيالياً لهذا الذكاء ببناء غرائز أمومية فيه، تهتم بالبشر وتراعيهم، عندما يصير هذا الذكاء أقوى من البشر وأذكى منهم.
وأضاف: ستتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي سريعاً لتحقيق هدفين فرعيين: أن تبقى على قيد الحياة، وأن تزداد السيطرة على البشر. ويحاول كلّ نوع من الذكاء الاصطناعي الذي يدير نفسه بنفسه (آلياً) البقاء على قيد الحياة. لعل ذلك يتطلب تبني إحساس من الرحمة، أو الشفقة على الناس، فحسب هنتن أنه يمكن اتباع سبيل الأمهات فلهن غرائز وعليهن ضغط اجتماعي لرعاية أطفالهن، ومثله يمكن أن يوضع في الذكاء الاصطناعي.
وأضاف: إن ذلك ليس واضحاً عنده حتى الآن، لكنه أكد أن الباحثين يعملون عليه. تلكم هي النتيجة الوحيدة التي تخرج بها: إذا لم يتأببني (من الأبوة) أحد فإن البرنامج/ الذكاء الاصطناعي سيحل محلي.
هنتن معروف بريادته في الشبكات العصبية التي مهدت الطريق إلى انتعاش الذكاء الاصطناعي في العالم هذه الأيام، ففي سنة 2022 استقال من رئاسة جوجل، وأخذ يتحدث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي. وحتى الآن لم ينضم إليه جميع المشتغلين بهذا الذكاء الاصطناعي الأمومي الذي يدعو إليه.
في اليوم الثاني للمؤتمر تحدثت عرابة الذكاء الاصطناعي الأم ففي لي فقالت: إنه ومع احترامها لصديقها طويلاً السابق إلا أنها لا توافقه على ما قاله، مضيفة إنه الطريق الخطأ لتأطير الذكاء، وقد دعت لي إلى ذكاء اصطناعي متمحور حول الإنسان للمحافظة على كرامته وعمله، وأنها مسؤوليتنا في كل مستوى من الابتكار التكنولوجي واستخدامه عظمى. يجب علينا ولا في أي لحظة أن نطلب من أي إنسان، أو نفرض عليه أي اختيار يفقده كرامته. ومع أن الذكاء الاصطناعي أداة قوية فإنني كامرأة وتربوية وكمخترعة لا أوافق حقاً بأن هذا هو لب كيفية مركزة الذكاء الاصطناعي.
وقال امتشير الخبير في الذكاء الاصطناعي المشارك في المؤتمر: إنني لم أفاجأ من محاولة بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي ابتزاز البشر، ورفضها لأوامر الإغلاق. إن ذلك يحدث وإنه سيستمر، وأضاف: وبدلاً من غرس قيم إنسانية في أنظمة الذكاء الاصطناعي فإن من الأفضل شق طريق لإقامة علاقات تعاونية بين البشر والذكاء الاصطناعي.
وفي الختام: بقي هنتن مهتماً جداً بما يمكن أن يحدث من أخطاء في الذكاء الاصطناعي، إلا أنه ظل يأمل في شق التكنولوجيا الطريق لاختراقات طبية بأدوية ثورية وبعلاج أفضل لمرض السرطان.
وأخيراً: فإن هنتن لا يؤمن بأن الذكاء الاصطناعي سيساعد البشر في تحقيق الخلود، والعيش إلى الأبد، فالعيش إلى الأبد غلطة كبيرة: هل ترغب بأن يحكم العالم رجال بيض عمر الواحد منهم مائتا سنة أو أكثر؟
يعيد كثيرون طرح أسئلة محيرة: هل الذكاء الاصطناعي كائن حي، يفكر ويفضل ويختار، وله عواطف وخبرات كالإنسان؟ لقد أشاروا إلى ذلك في المؤتمر.
ويضيفون: كيف يفهم الذكاء الاصطناعي أسئلتنا ويسرع في الاجابة عليها بأجوبة إنسانية صادقة؟ كيف يختار حروف الجواب وكلماته ويسلسلها وبحيث تعطي لها معنى في هذا الموضوع أو ذاك وحتى في الطب والهندسة؟ وفي كل لغة؟ أي كيف يبرسس الذكاء الاصطناعي (processing) اللغة البشرية الطبيعية بهذه الدقة والوعي والانتباه؟
والجواب أن أجوبته مبنية على قواعد وإحصاءات وبرامج وخوارزميات... وليس على تفكير مثل تفكير الإنسان وإلا فهل يفهم ماذا يفعل؟ إنه يحاكي السلوك الإنساني فقط. العقل الإنساني نفسه نظام رمزي معقد وقد ولدت المعرفة/ العقلية الإنسانية شيئاً خاصاً هو الوعي. الكمبيوتر لا يستطيع أن يحول الأرنب إلى فيلسوف، ربما يستطيع يوماً.
الذكاء الاصطناعي كمولد للمعرفة ويتقدم بسرعة قد يحدث انفجاراً في ميديا التركيب في كل ميدان: في النص، وفي الصور، وفي المسموع أو الفيديو، وبمحتوى يبدو أنه أصيل، وكأنه من صنع الإنسان لا الذكاء.
إن العالم يعيش في لحظة فاصلة، فنحن لا نخطف الذكاء الاصطناعي بل يسرق أو يخطف هذا الذكاء عقولنا. ولإدراك ذلك يجب علينا أن نعرف كيف يتعامل القراصنة (Hackers) مع هذه التقنية وكيف يحلون المشكلات بها؟ وقد تبين أن الأمر كالتالي:
·إنهم يتمتعون بدهشة لا تتوقف.
·وبتفكير غير تقليدي.
·وبالمثابرة.
·وبالمقدرة على التكيف.
ولنمتلك قدراتهم أو للتفوق عليهم يجب علينا أن نملك ما يملكون (أعلاه) ولكن بشرط أن لا نستخدم عقولنا كأداة للشر، لأنه يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة للخير أو للشر.
لقد جاء كثير من تطوير الذكاء الاصطناعي من تفكير القراصنة الخّلاقيين الذين كشفوا للعلماء عن الحساسيات أو الهشاشيات في كل شيء، بدءاً من ماكينات الاقتراع، إلى الماكينات المستقلة ذاتياً، مما جعلنا أكثر معرفة وقدرة على التطوير. فعقلية القراصنة مثل عقليتنا ومثل «عقلية» الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها للايذاء أو للابتكار، الذي يستطيع أن يكشف عن ضعفنا الذي يمكن استغلاله، من مثل استغلال ميول الناس وتحيزاتهم. ومن القراصنة من يغتنم الفرصة لتعكير صفونا والتلاعب بنا.
قبل سنوات كانت تبدو الصور والأصوات المماثلة للحقيقة أو الواقع خيالاً علمياً. أما اليوم فقد أصبحت حقيقة يستطيع الجميع ممارستها وتوليدها. لا بد أنك مطلع على الكاريكترات التي تسخر من الرئيس الأميركي ترامب والرئيس بوتين، والرئيس الكوري كيم وغيرهم، كثيراً.
لقد أصبحنا غير قادرين على التمييز بين الأصل والمصطنع، والحقيقي والزائف.
هذا التطابق بين الحقيقة والزائف في الميديا يجعل الأمور أصعب، فنحن لم نعد نصدق ما نرى كما كان عليه الأمر في السابق.
لقد صار الشك يعترينا فيما نشاهد ونسمع ونقرأ وهو يتنامى طردياً مع تقدم الذكاء الاصطناعي. معنى ذلك أن ثقتنا في كل الأون لاين (Online) تتدهور. يهدد هذا الشك المتنامي– وللأسف- بالقضاء على نزاهة المحتوى أو أصالته. إن الثقة والخداع متناهيان، مما يجعلنا في شك دائم، وليس التزييف العميق (Deepfake) إلاّ مثالا على ذلك.
لقد صار الذكاء الاصطناعي المفتوح (Chat GPT) وغيره، قادراً على محاكاة الحديث البشري: وهو أمر سيثير القشعريرة في المستقبل القريب حيث يتم خطف تواصلنا العاطفي وعلاقاتنا بخوارزمية أقدر منا. إننا أمام/ نواجه جبهات من الخداع والتلاعب والاستغلال، مما يوجب امتلاك المهارات اللازمة لكشف ذلك، كالتي ذكرناها سابقاً، ومن مثل ما يلي:
- أفهم فن الخداع في الصورة أو في المحتوى.
- أدرك مركزية العوامل البشرية. نعم إن التقنية هي الأداة لكن الطبيعة البشرية هي الهدف.
- أعتمد التفكير الناقد والشك الصحي/ العلمي.
- طور ذكاءك العاطفي.
·التزم بالتعلم الدائم والنمو المستدام.
لا ننس أن الأكاذيب المتولدة بالذكاء الاصطناعي بسرعة التفكير تنتشر بسرعة الإنترنت، فهذا هو العالم الذي نعيش فيه. وتذكر في كل مرة أن الذكاء الاصطناعي سيف ذو حدين.
ما يثير الدهشة امتلاك الذكاء الاصطناعي القدرة على التخيل، والقدرة على الحلِم، فيربط المعلومات بطرق مباشرة وغير متوقعة.
ولكن كيف يتم ذلك؟ الهلوسات هي إحدى قوى الذكاء الاصطناعي التوليدي المتفوقة. يسمح هذا الابتكار بتوليد صورة وكتابة شعر... وبمساعدة المواقع يصبح شريكاً في إشعال التفكير (Brain Storming) والعمل جيداً في الاستخدام البديل وامتحانات الترابط البعيد. وإنه لمدهش حقاً أن يأتي الذكاء الاصطناعي بأفكار مثيرة ومحتوى مثير.
لطالما اعتبرنا ميزة الابداع/ الابتكار صفة بشرية أو خاصة ولكنها الآن خطرة فإذا لم نكن منتبهين، فإننا ننتهي بتصديق المعلومات الكاذبة المتولدة من الذكاء الاصطناعي وينشرها أو باتخاذ قرارات مهمة في ضوئها.
وفي المستقبل القريب سيتمكن الأذكياء من ابتكار طرق لحل مشكلة الهلوسات جنباً إلى جنب إبقاء نظم التفكير الاصطناعي خلاّقة.
أما مشكلة التحيز (Bias Problem) فهي عصية على العلاج لأنه لا يوجد حياد مطلق. أما السبب في هذا التحيز فناجم عن كيفية تدريب نظم الذكاء الاصطناعي، فهي تتدرب بالتفتيش في الإنترنت، وفي قراءة الكتب، وهضم الفنون، والفيديوهات، والمنشورات، وتقارير الأخبار، وهلم جرا. ولا يوجد في أي من هذه الأمور ما هو محايد فعلاً، بل إن ما يسجل في الإنترنت وما يحفظ فيها متحيز. فالمسيطرون الأقوياء على خزن المعلومات ونظم التوزيع يقررون ما يحفظ وما يستبعد، ويعطون ثقلاً قليلاً أو كثيراً لهذا الأمر (المعلومات) أو ذاك.
إن بعض المعلومات يبقى وبعضها يُكب. وفي هذا الصدد الخاص بالتحيز تذكر أن بعضهم يصف بعض الجماعات أو الأقليات بمصطلحات ملتهبة، أو يتسم بالسخرية منها. وكما يفعل الصهاينة مثلاً به بالنسبة للفلسطينيين ليبرروا اضطهادهم وإبادتهم. ويشجع بعض المنابر على استخدام هذه اللغة. وبعضها يشجع النقاش الصحي. لكن بعضها مكرّس لنشر الكراهية والتعصب وكراهية النساء (Misogymy) التي اتهم بها وزير الدفاع الأميركي هيغسيث. وبعضها يروج لكراهية الرجال، أو للتآمر. بل إن إيلون ماسك وصفه بالتسونامي الأسرع من الموت، وأنه سيقضي على الوظائف المكتبية، فيما تبقى الوظائف التي تعتمد على الجهد البشري (كما في الصيانة) مطلوبة. كل هذه الأمور الجيدة والسيئة، والعلمية والزائفة، والدقيقة والمبالغة فيها، والخير والشر موجود في الإنترنت وفي ذلك الذكاء الاصطناعي. لقد خلقنا نحن البشر الذكاء الاصطناعي على صورتنا ومثالنا وإن كنا لا نحب ما نرى من مساوئ وسيئات.
ولتصحيح هذا العوج الاصطناعي ظهر مفهوم التنسيق أو الانسجام (Alignment) الذي يضغط على عمليات الذكاء الاصطناعي لتكون متسقة مع القيم الإنسانية. ويعني هذا تصميم وتدريب نماذج او أشكال من الذكاء الاصطناعي وبحيث يكون سلوكها حسناً وملتزماً بالقيم الإنسانية، فهل يكون؟ وإلى أن يكون فإنه يطلب منك ما يلي:
- لا تثق بصورة عمياء بالمحتوى المتولّد من الذكاء الاصطناعي.
- كن واعياً للتحيزات الواردة في المحتوى وكل ما هو غير صحيح.
- اعرف تأثيرك ولا تقلل من شأنك.
- تمسك بالتفكير الناقد.
- تعلّم الأبجدية الرقمية وامتلك مهاراتها.
- استعد للتغيير.
لقد غيّرت الإنترنت العالم بطريقة ثورية، أي بالطريقة التي يتواصل بها البشر ويتفاعلون، وكل شيء يحدث بطقة أو لمسة. ولكن لهذه السهولة العظيمة والسريعة في الوصول إلى المعلومات تداعيات غير مقصودة. ففي السنوات الأخيرة شاهدنا موجة من المعلومات الكاذبة (MisInformation) والمعلومات المضللة (Disinformation)، وموجة من الأخبار الكاذبة والدعاية المضللة، والمحتوى المصمم لخداعنا والتلاعب بنا.







