الشاشاني يكتب: بين إسرائيل وإيران شد الحبل في لبنان
د . راشد الشاشاني
لانحتاج الكثير من الأدلة لإثبات ان دخول حزب الله الحرب الى جانب ايران كان بإشارة منها ، ليس غريباً ان نقول ان إيران ارادت من وراء ذلك تشتيت جبهات امن اسرائيل وقلب هجومها الى دفاع ؛ يفيد هذا في اختلال منظومة التطويق الأمريكي للحرب وتناغم التكتيك الإسرائيلي معها جرّاء استنزاف الدفاعات العسكرية وتحويل التركيز المقاتل ليس فقط من جانب الهجوم الى جانب الدفاع بل تغيير جبهته تماماً التي تشكل مراقبة العالم لها لوحة تسجيل نقاط ربح وخسارة لكل الفرقاء.
أضف إلى ذلك اغراق الاقتصاد الإسرائيلي في مستنقع الركود ؛ بعد اثارة الجبهة الشعبية الداخلية ؛ كان احد فواعلها : إنذار حزب الله لاهالي المناطق الحدودية المجاورة باخلائها حتى مسافة خمسة كيلومترات وضرب هذه المناطق ، تمخضت اخر حصيلتها عن مقتل جنديين اسرائليين اليوم .
عودة لحديثنا عن الغرابة التي وجدت وجها لها في تلقّف اسرائيل لهذه الهجمات بشغف الملهوف الذي أرهقته مناجاة السماء كي تفاجأه بمعجزة يخرج معها ناجيا يمكنه التذكر والتوليف لا ضحية تحوّلها الاحداث إلى عبرة . كان رد فعل اسرائيل على بضعة صواريخ معتادة قبل الهدنة غير معتاد ؛ بل ومبالغ فيه ، بطريقة تثبت صورة الشغف هذه ؛ التي ولّدتها أزمة التهوّر غير المحسوب مع حساب متهور لترامب الذي ضاع في دهاليز التقديرات و أضاع معه شهوة نتنياهو في الخلاص من شبح ايران .
لا يعرف نتنياهو حقيقة الثمن الباهظ الذي سيدفعه في حال سقطت ايران ، بغض النظر عن شكل هذا السقوط اذا ما قيس بتصورات ترامب له ، هذه التصورات التي لم تعد ـ لكثر تناقضها ـ تعرف شرقا ولا غربا ، وجد نتنياهو في لبنان محطة استراحة ـ إن لم تكن نقطة وصول من هروب ـ ينسحب فيها من عبث ترامب البعيد مع احلام نتنياهو التي رسمها جميعا بقلم سقوط خامنئي و الذي سرعان ما اثبت خفوت ملامح خطوط السير فوقه .
لهذا راح يبحث عن ما يعزز تمجيد مهربه هذا بما يوازي ذهول التحول عن التركيز نحو ايران الى لبنان ، بدلا من خنادق العسكر استعان نتنياهو بحفر قبور الموتى والبحث عن ازمات مر عليها عقود ؛ يستعطف جمهوره بها من جهة، و يعزّز تحوّل بندقية جنوده من جهة ثانية ، لكنه ارتدّ خائبا حين فكر ونفذ عملية انزال النبي شيت التي ردّت بعضا من ثقة حزب الله بنفسه وثقة المحيطين به في ذات الوقت الذي قلّلت فيه هذا العنصر عند نتنياهو .
تسجيل اهداف في مرمى سهل ولعب مع الضعيف ، استسهل نتنياهو فكرة اسقاط حزب الله في مقابل اسقاط ايران ؛ متناسيا انّه عجز مرات ومرات عن إسقاطه ، بل اسقاط حماس وهي اضعف منه كثيرا لاعتبارات عدة ، لقد بان هذا الهروب الحلزوني من وجه اخر : حين هاجم حاكم كاليفورنيا نتنياهو معيّرا بعجزه عن اسقاط حماس .
نتنياهو لا يعلم ان اسقاط النظام الإيراني ومعه أذرعه كافة أمر ممكن وفقا للصيغة الحالية لهذه التكتلات ، لكن المستحيل هو الخلاص مما يخشاه نتنياهو ويقنع او يؤيد فيه ترامب ؛ لن يزول بل سيتضاعف . بالنسبة لنتنياهو فهو رئيس وزراء محتمل لفترة قادمة وإسرائيل باقية في المنطقة ، أما ترامب فهو متحوّل لا محالة عن كرسي لا أمل في العودة اليه بعد فترة لن تزيد عن نهاية ولايته إن لم تكن اقل من ذلك ، كي نفهم فارق التصورات ومعه فجوة الاهداف وتشتت الطرقات وتضارب الأساليب بين نتنياهو و ترامب يجب اعتماد هذه الفكرة التي يبني كل منهما حساباته على اساس منها .
القت هذه الصورة بظلها على موقف الولايات المتحدة التي لم تعد مهتمة بالواقع اللبناني ، ليس هذا فحسب : لقد تعمدت تجاهله وهي تعيد حساباتها في ارض ايران ، ربما وجدت في انزلاقة تل ابيب مخرجا مناسبا لاعلان نصر قريب على شاكلة نصر حرب ال 12 يوم ، قد يكون الحديث عن تاجيل الانتخابات في لبنان التي حاولت الولايات المتحدة جاهدة تأجيلها في مواجهة مع جدار ممانعة شيعي قد انجز شيئا من مهمتها .







