ملكاوي يكتب: هيمنة التاريخ والرمز والخطاب.. ثلاثية الاستلاب العربي

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


ليس من السهل على المجتمعات أن تتحرر من تاريخها، فهو مخزون رمزي ومعنوي تتشكل داخله الهوية والذاكرة الجماعية وصور الذات. لكن ثمة فرقا كبيرا في التعامل مع التاريخ بين الأمم الحية والأمم المأزومة، فالأولى تتعامل معه بوصفه خبرة تقرأ وتفهم لبناء الحياة في الحاضر، بينما المأزومة تتحول عندها الذاكرة إلى إقامة دائمة داخل الماضي، حتى يصبح التاريخ نفسه بديلا عن الواقع.
 

في الحالة العربية، تبدو العلاقة مع التاريخ متجاوزة حدود الاستلهام الطبيعي لتتحول إلى حالة من العيش داخله، فالماضي يتم استحضاره بوصفه فضاء نفسيا تعويضيا يعاد إنتاجه باستمرار. المجتمع حين يفشل بصنع معنى مقنع لحاضره، فإنه يميل إلى الاحتماء بالماضي، لأنه المجال الوحيد الذي ما يزال يمنحه شعورا بالتماسك والكرامة واليقين.
لذلك، فإننا نرى مقاربات المستقبل في كثير من الخطابات العربية تبدو مستعارة من التاريخ، لا من شروط الحاضر ولا من استشراف الممكن، فبدلا من قراءة التحولات العميقة في الاقتصاد العالمي وبنية الدولة الحديثة، وفي الثورة الرقمية التي تعيد تشكيل الإنسان والعالم، يجري استدعاء نماذج تاريخية بوصفها حلولا جاهزة، ولكن هذه النماذج، مهما كانت عظيمة في سياقها، لا تستطيع أن تقدم إجابات حقيقية لأسئلة زمن مختلف كليا.
البحث عن صورة البطل التاريخي، كذلك، ظاهرة متكررة، فالمجتمعات العاجزة عن إنتاج مؤسسات قوية تميل إلى تعويض ذلك بالبحث عن شخصية استثنائية قادرة على اختصار التعقيد كله في إرادة فرد واحد. البطل في المخيال العربي صورة رمزية تستمد شرعيتها من التاريخ، وغالبا ما يقاس الحاضر بمدى قدرته على إعادة إنتاج تلك الصورة، لتكشف هذه الرغبة في العمق عن أزمة في فهم طبيعة السلطة الحديثة، التي لم تعد تقوم على الفرد الملهم بقدر ما تقوم على المؤسسات والقوانين والقدرة على إدارة التعقيد.
تظهر هذه الأزمة بوضوح في ميل العرب إلى الارتباط بالأشخاص أكثر من ارتباطهم بالأفكار، تماشيا مع كونها مجتمعات ما تزال بنيتها الاجتماعية قائمة على العلاقات الشخصية والرمزية، والفكرة غالبا ما تختزل في صاحبها، ليصبح القائد هو الفكرة، ويصبح الولاء له بديلا عن النقاش حول ما يطرحه.
هذه البنية الذهنية تساعد على تفسير ظاهرة متكررة في التاريخ العربي المعاصر تتمثل في الانجراف العاطفي خلف شخصيات أو أنظمة تقدم نفسها بوصفها تجسيدا للكرامة أو المقاومة أو الخلاص، وهي تعبيرات عن إحباط جماعي، يصبح فيها الخطاب العاطفي أكثر قدرة على تعبئة الجماهير من التحليل الواقعي.
رأينا ذلك بوضوح في ظاهرة جمال عبد الناصر الذي جاء «مشروعه» في سياق تاريخي مثقل بالهزائم الاستعمارية، وبحالة عربية تبحث عن رمز يستعيد الشعور بالكرامة. كان الخطاب الناصري قادرا على مخاطبة العاطفة الجماعية بمهارة كبيرة من خلال الدعوة للوحدة والتحرر والكرامة، ومواجهة الغرب وإسرائيل. لكن قوة الخطاب العاطفي حجبت في كثير من الأحيان الحاجة إلى تقييم عقلاني للتجربة السياسية والاقتصادية، ما جعل الهزيمة العسكرية في 1967 صدمة وجودية للوعي العربي كله، تتعدى مجرد الخسارة العسكرية، نحو انهيار لصورة البطل التي عُلقت عليها آمال واسعة.
المشهد تكرر، بصورة ما، في حالة صدام حسين، فبعد حرب الخليج الأولى، ثم الحصار الدولي الطويل على العراق، جرى تصويره في جزء من الخطاب العربي بوصفه رمزا للصمود في وجه الهيمنة الغربية. مرة أخرى كان الخطاب العاطفي حاضرا بقوة، غير أن هذه الصورة الرمزية لم تكن تعكس التعقيد الحقيقي للواقع العراقي ولا طبيعة النظام السياسي فيه، لكنها كانت تلبي حاجة نفسية لدى قطاع واسع من الرأي العام العربي الباحث عن صورة تعويضية للقدرة في زمن العجز.
الظاهرة نفسها يمكن ملاحظتها اليوم في أشكال التعاطف العربي مع النظام الإيراني. بالنسبة لكثيرين، لا ينظر إلى إيران من خلال سياساتها الإقليمية المعقدة أو مصالحها الجيوسياسية، بل من خلال الصورة الرمزية التي يقدمها خطابها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. في سياق عربي يشعر فيه كثيرون بالضعف السياسي والعسكري، يصبح مجرد إعلان العداء للخصم كافيا لإضفاء هالة رمزية على الفاعل السياسي، حتى لو كانت سياساته في المنطقة تحمل تناقضات واضحة مع المصالح العربية نفسها.
في الحالات الثلاث، يتكرر النمط نفسه من خلال شخصية أو نظام ينجح في احتكار خطاب الكرامة والمقاومة، ليتحول إلى رمز يتجاوز حدود النقد العقلاني، فيصبح الانتماء إلى هذا الرمز موقفا عاطفيا أكثر منه موقفا سياسيا مدروسا.
هذا النمط يكشف مرة أخرى أثر سيكولوجية الهزيمة في تشكيل الوعي الجمعي، فالمجتمع الذي يشعر بالعجز يميل إلى البحث عن صورة قوة خارجية أو استثنائية يعيد إسقاطها على نفسه، فتصبح الصورة والخطاب بديلين عن الفعل الحقيقي والإنجاز.
المشكلة تظهر حين تتحول العلاقة مع هذه الشخصيات إلى علاقة عاطفية تمنع النقد، أو حين يصبح الرمز بديلا عن التفكير في الشروط الواقعية لبناء القوة. الأمم تتقدم بامتلاكها القدرة على استلهام التاريخ لفهم الحاضر، وإخضاع الرموز نفسها للنقد والمراجعة، وتحويل الأفكار إلى مؤسسات، وعندها فقط يبدأ المجتمع في الخروج من أسر التاريخ والرمز والخطاب والدخول فعلا في الزمن الحاضر.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية