شبلي يكتب: الأردن على خط النار: بين حماية السيادة ومواجهة التصعيد الإيراني

{title}
أخبار الأردن -

 

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

يظهر تتابع العمليات القتالية في الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط  حقيقة أن الدوائر الرسمية الأردنية كانت مجبرة على الإقرار بمواجهتها الواضحة لما تتعرض إليه البلاد من هجمات جوية مصدرها الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى والطائرات المسيرة رغم اتباع منطق «الحياد العملياتي قدر الإمكان» الذي سعت إليه القيادة السياسية والتي تحدث بها في كل المناسبات وزير الخارجية أيمن الصفدي، وبين سيناريو «أطراف الصراع الثلاثي» التي تصر على «حشر الجغرافيا» الأردنية في زوايا ضيقة للغاية ومستوى الإحراج فيها لا يقل عن منسوبه لدى دول الخليج العربي، وهو الأمر الذي أدخل منطقة الشرق الأوسط في حالة من الصراع بين أطراف عدة دولاً إقليمية وأطرف دولية وفاعلين محليين من غير الدول.

نعم، لقد دخلت المنطقة بالفعل في حسابات معقدة للغاية، والأردن يقع في قلب هذه العاصفة. ويبدو أن الموقف الأردني من الاعتراض العلني للصواريخ والمسيرات الإيرانية يمثل حالة تطور دراماتيكي وخطير، يحمل في طياته تحديات كبيرة ويتطلب قراءة دقيقة للأبعاد المختلفة. وبناءً على توفر من المعلومات، يمكننا تحليل الموقف على النحو التالي:

  1. التهديد المباشر والاستجابة الأردنية: حماية السيادة أولاً: يبدو أن الموجة الأخيرة من التصعيد لم تكن مجرد عبور للأجواء، بل استهدافاً مباشراً للأراضي الأردنية. وفقاً للمتحدث باسم القوات المسلحة الأردنية، فقد تعرضت "مواقع حيوية" داخل الأردن لـ 119 هدفاً جوياً (60 صاروخاً و 59 مسيرة) خلال أسبوع . هذا يؤكد أن الأردن لم يصبح ممراً فقط، بل أصبح ساحة استهداف بحد ذاتها، وهذا ما كشفه الاعتراض الناجح للتهديدات القادمة من الشرق، حيث تمكنت الدفاعات الجوية الأردنية، بالتعاون مع دول أخرى، من اعتراض وتدمير 108 من هذه الأهداف، وهي نسبة تؤكد كفاءة عالية ويقظة مستمرة . و مع ذلك، لم يخلُ الأمر من خسائر، حيث سقطت 11 هدفاً، وتسبب الشظايا المتساقط في إصابات طفيفة لـ 19 شخصاً وأضرار مادية في عدد من المنازل والمركبات، مع تسجيل مئات البلاغات عن سقوط حطام .
  2. التحديات الاستراتيجية: بين الردع والانجرار إلى الصراع: هنا تكمن العقدة الأردنية. فالموقف يتجاوز مجرد الدفاع الجوي إلى حسابات جيوسياسية بالغة الدقة:

أولاً: الضربات الموجعة والتحالفات القائمة: لم تقتصر الضربات الإيرانية على الأهداف الحيوية الأردنية فحسب، بل أعلن الحرس الثوري الإيراني أن قواته استهدفت ودمرت راداراً أمريكياً متطوراً من نوع AN/TPY-2، تبلغ قيمته 300 مليون دولار، في قاعدة الشهيد موفق السلطي الجوية بالأردن . هذه ضربة نوعية لأن هذا الرادار هو "عين" منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية  THAAD وأن تدميره يشكل: خسارة أمنية وعسكرية يجعل الدفاعات الجوية في المنطقة تعتمد أكثر على أنظمة الباتريوت، التي تعاني أصلاً من شح في ذخائرها . وبذات الوقت  يثبت أن الأصول الأمريكية في الأردن هي هدف مباشر لإيران، مما يضع الأردن في خط النار.

ثانياً: تفعيل اتفاقيات الدفاع: سيف ذو حدين: أعلن الأردن صراحةً تفعيل "اتفاقيات التعاون العسكري والدفاعي مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة" لتوفير غطاء جوي لحماية سماء المملكة . وهذا يعني أن سماء الأردن أصبحت منطقة عمليات مشتركة. ورغم أن هذا يعزز قدرة الردع، إلا أنه يدفع الأردن للدفاع عن مقدرات شعبه لكنه يُظهر  بأنه في خندق واحد مع التحالف المناهض لإيران وهو ما تستغله إيران سياسياً وإعلامياً لتبرير هجماتها، الأمر الذي يخلط الأوراق ويجعل من الصعب على الأردن تقديم نفسه كطرف محايد في هذا الصراع.

ثالثاً: الضغوط الدولية وتأثيرها على الداخل: الولايات المتحدة، التي تقود المواجهة مع إيران، رفعت مستوى التأهب بشكل غير مسبوق. فقد أمرت وزارة الخارجية الأمريكية موظفيها غير الأساسيين بمغادرة الأردن ودول عربية أخرى، ورفعت مستوى التحذير من السفر إلى المنطقة إلى المستوى الثالث (إعادة النظر في السفر) . وأن هذا الإجراء يعكس تقدير واشنطن لخطورة الموقف على وجودها في الأردن، وينقل إشارات سلبية قد تؤثر على الاستثمارات والسياحة والاستقرار الاقتصادي.

واستنادا لما تقدم فإن الأردن بات مسحوباً بحبل مشدود، كون ما يواجهه اليوم هو تحدٍ وجودي بامتياز، ويمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  1. السيادة أولاً: الأردن يتعرض لاعتداءات مباشرة على أراضيه، وأي دولة ستتصدى لهذه الاعتداءات دفاعاً عن سيادتها وأمن شعبها. الاعتراضات التي تمت هي دفاع عن النفس وليس تدخلاً في حرب الآخرين .
  2. ثمن التحالفات: الأردن حليف وثيق للولايات المتحدة ويوجد على أرضه قواعد ومنشآت أمريكية. هذا الموقع الاستراتيجي جعله هدفاً مباشراً لإيران في سياق صراعها مع واشنطن، مما يثبت أن الحياد في هذه المواجهة بات مستحيلاً .
  3. حسابات دقيقة: القيادة الأردنية تمشي على "حبل مشدود" بين الحفاظ على التحالفات الدولية التي توفر دعماً أمنياً واقتصادياً، وبين عدم الانجرار الكامل إلى مستنقع حرب إقليمية شاملة قد تكون لها تداعيات كارثية على الداخل الأردني. وأن رفض الأردن القاطع لأن يكون "ساحة لتصفية الحسابات" أو أن تنطلق من أراضيه هجمات على دول الجوار يؤكد هذا الحرص على ضبط قواعد الاشتباك .

باختصار، الأردن يدفع ثمناً باهظاً لوجوده في منطقة صراع، ويواجه واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث، محاولاً حماية سمائه وأرضه من أن تتحول إلى مسرح رئيسي للحرب الإيرانية الأمريكية.

ويبقى علينا هنا إجابة التساؤل الذي مفاده: ما المتوقع القيام به من قبل إيران في حال استمرار تصدي الاردن لما يعترض امنه وسلامته ...؟ وسنركز في الإجابة على السيناريوهات المحتملة: 

أولا:    استمرار وتصعيد الاستهداف المباشر للأردن: تشير المعطيات إلى أن إيران تتخذ من الأردن هدفاً مستقلاً بحد ذاته وليس مجرد ممر للوصول إلى إسرائيل أو القواعد الأمريكية في المنطقة . وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن تدمير رادار أمريكي متطور في قاعدة جوية أردنية . لذلك، من المتوقع: تكرار هجمات مشابهة، إذ قد تلجأ إيران إلى إرسال موجات جديدة من المسيرات (شاهد) والصواريخ الباليستية باتجاه "المواقع الحيوية" الأردنية ذاتها. مع تغيير التكتيكات بعد فشل الموجة الأولى واعتراض 108 أهداف من أصل 119 ، كما قد تحاول إيران إرباك الدفاعات الجوية الأردنية باستخدام تكتيكات جديدة مستفادة من الحروب الأخرى، مثل إرباك الرادارات أو إطلاق أسراب أكثر كثافة وتنوعاً .

ثانيا:   شن هجوم إعلامي ودبلوماسي وسياسي واسع: بما أن الخيار العسكري المباشر اصطدم بكفاءة عالية من الدفاعات الأردنية، فإن طهران ستلجأ إلى حرب نفسية وإعلامية عبر:تصوير الأردن كطرف في الحرب، حيث ستواصل إيران ووسائل إعلامها اتهام الأردن بأنه أصبح جزءاً من التحالف العسكري المناهض لإيران، خاصة بعد تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك مع دول أخرى لتوفير غطاء جوي للمملكة، ويأتي هذا بهدف عزل الأردن شعبياً عن الشارع العربي والإسلامي.

وقد تحاول إيران الضغط على الداخل الأردني عبر تحريض الرأي العام الأردني ضد قرارات حكومته، بالتركيز على أن هذه المواجهة تجر البلاد إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتكلف الشعب أرواحاً وأموالاً (كما ظهر في الإصابات والخسائر المادية من الشظايا) .

ثالثا:   استهداف المصالح الأردنية في الخارج: إذا أرادت إيران التعرض للأردن دون الدخول في مواجهة مباشرة جديدة قد تكون مكلفة، فقد تلجأ إلى خيارات أكثر مراوغة كاستهداف السفارات أو المواقع الدبلوماسية الأردنية في دول المنطقة. وهذا السيناريو أصبح مطروحاً بقوة في ظل اتساع رقعة الصراع، حيث استهدفت إيران بالفعل دولاً عربية متعددة . وإلى جانب ذلك قد تقوم باستهداف المصالح التجارية أو المواطنين الأردنيين المتواجدين في مناطق التوتر.

رابعا:   دفع الوكلاء للتحرك ضد الأردن (ورقة الخيارات): إيران معروفة باستخدامها قوات بالوكالة (بروكسي) لتنفيذ أجنداتها في هذه المرحلة التي يمكن القول بمحدودية خياراتها، فمن غير الواضح التعرف على مدى قدرة إيران على تحريك خلايا نائمة أو مجموعات موالية لها داخل الأردن، حيث أن البيئة الأردنية تختلف كثيراً عن البيئة في لبنان أو سوريا أو اليمن. لكن يبقى هذا الخيار مطروحاً على طاولة العمليات الخاصة.

خامسا: استهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية (تصعيد نوعي): قد تنتقل إيران من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب البنية التحتية المدنية أو الاقتصادية:، والتي تتمثل في: استهداف مصادر الطاقة أو المطارات: شهدنا سابقاً استهدافاً لمطارات في دبي وأبوظبي . والأردن، الذي يعتمد على السياحة والاستثمارات، سيكون شديد الحساسية تجاه أي تهديد لمرافقه الحيوية.

كما قد تقوم بتهديد حركة الطيران المدني، كما حدث في المنطقة، فقد يؤدي استمرار إغلاق المجال الجوي أو وجود تهديدات إلى إلحاق ضرر كبير باقتصاد الأردن، خاصة أن شركات الطيران العالمية علقت رحلاتها إلى المنطقة مؤخراً.

خلاصة ما تقدم فإن الذي يجري يشبه لعبة "الكر والفر" مع مخاطر التوسع، فمن المتوقع أن تواصل إيران اختبار العزيمة الأردنية. وهي تريد إيصال رسالة مفادها أن "ثمن" التحالف مع واشنطن سيكون باهظاً. فيما يرى الخبراء العسكريون أن إيران أخطأت التقدير عندما وسعت هجماتها لتشمل الدول العربية، لأن ذلك وحّد الموقف الخليجي ضدها بشكل غير مسبوق . ولكن في المقابل، فإن استمرار الأردن في التصدي يجعله في مواجهة مباشرة مع طموحات إيران الإقليمية، مما يعني أن اليقظة العسكرية الأردنية يجب أن تقترن بتحرك دبلوماسي مكثف على أعلى مستوى لتوضيح الموقف الأردني بنه يدافع عن أرضه فقط، ولا ينوي الانجرار إلى حرب بالوكالة عن أي طرف، فضلاً عن الحاجة الماسة لتكاتف القوى الوطنية والشعبية في الداخل والخارج، خاصة وأن همسات بعض المغرر بهم قد لاحت في ظل تعثر اجنداتهم المشبوهة. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية