أبو زينة يكتب: أي صراع يخوضه العرب..؟!
علاء الدين أبو زينة
ليس خوض الصراعات بمبررات دينية جديدًا. ثمة الحروب الصليبية (1096–1291) التي خاضتها ممالك أوروبا المسيحية ضد المسلمين في الشرق الأوسط؛ و»حرب الثلاثين عامًا» (1618–1648) التي اندلعت في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وثمة الصراع الذي قسم الهند في العام 947 - وما يزال مستمرًا- بين الهندوس والمسلمين؛ وهناك الصراع في أيرلندا الشمالية (1968–1998) بين الكاثوليك القوميين والبروتستانت الوحدويين– من بين أخريات. وربما يكون من السذاجة تعريف أي صراع على أنه ديني خالص، ويغلب أن تمتزج فيه عوامل سماوية وأرضية: المعتقد؛ الهيمنة والنفوذ؛ السيطرة على الأراضي؛ نهب الثروة، الهوية القومية– والمال وراء كل شيء في نهاية المطاف. وفي كل ذلك، يُستخدم الدين بشكل صرخة تحشيد سهلة، تمنح الحرب شرعية أخلاقية أو تضفي عليها القداسة.
الآن، أعاد المشروع الصهيوني، الذي بدأه علمانيون كحركة استعمارية حديثه، إحياء اللغة التوراتية التي استخدمها للتحشيد –»أرض الميعاد»، و»شعب الله المختار» وما شابه- لتكون مرة أخرى إطارًا تفسيريًا للصراع وتبرير السياسات العدوانية التوسعية. وقد عبّر رئيس وزراء الكيان، بنيامين نتنياهو، عن هذا البعد بوضوح في أكثر من مناسبة. وبشكل خاص، أقرَّ في مقابلة مع قناة «i24» بأنه يشعر بأنه يؤدي «مهمة تاريخية وروحية»، وقال إنه «مرتبط جدًا برؤية إسرائيل الكبرى»- وهي الرؤية المستندة إلى مفهوم «أرض الميعاد» في اللاهوت اليهودي.
لا ينفصل هذا التصريح عن المنظومة الفكرية التي ترى الصراع بوصفه تحقيقًا لوعد ديني لا يتقادم بالزمن. وتقوم فكرة «إسرائيل الكبرى» نفسها على قراءة توراتية تعتبر الأرض الممتدة من فلسطين إلى أجزاء من– أو كل- الدول المجاورة جزءًا من الإرث الديني للشعب اليهودي. وقد أكد نتنياهو في المقابلة المذكورة أنه يرى نفسه «في مهمة أجيال»، وأن مشروع الدولة ليس مجرد مشروع سياسي، وإنما استمرار لرؤية تاريخية وروحية للشعب اليهودي. واستدعى نتنياهو في الحرب على غزة قصة «عماليق» التوراتية لتبرير الإبادة الجماعية والحث على ارتكابها. وقال: «يجب أن تتذكروا ما فعله بكم عماليق… نحن نتذكر ونقاتل». واستُخدمت هذه القصة التوراتية تاريخيًا كرمز للعدو الذي ينبغي القضاء عليه بالكامل. وعاد الآن إلى استخدام «عماليق» في الحرب الجارية على إيران. ويضع استدعاء مثل هذه الرموز الدينية في سياق حرب معاصرة الصراع في إطار يتجاوز السياسة والجغرافيا ليصبح جزءًا من سردية دينية تاريخية.
يتلاقى هذا التصور مع خطاب «المسيحية الصهيونية» التي ترى في قيام «إسرائيل» وتوسعها جزءًا من تحقيق نبوءات دينية. ويعبِّر العديد من السياسيين الأميركيين عن هذا التصور صراحة. ومن أبرزهم مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى الكيان، الذي أكد في مقابلة حديثة مع الإعلامي تاكر كارلسون أن علاقته بالكيان الاستعماري تتعدى السياسة إلى «الإيمان»، وأن ارتباطه بها ينبع من فهم ديني يعتبر «أرض إسرائيل» جزءًا من وعد إلهي. ولا يُقتصر هذا الموقف على هاكابي، وإنما يعكس– رغم محاولة إنكار ذلك- حضورًا قويًا للبعد اللاهوتي في تصوُّر الولايات المتحدة لدورها في منطقتنا.
إذا كان بالوسع اتخاذ مقولات السيناتور الأميركي النافذ مثالًا، فقد صرح في مقابلة تلفزيونية عند بدء الحرب على غزة في العام 2023: «نحن في حرب دينية هُنا. أنا مع إسرائيل. افعلوا ما يلزم للدفاع عن أنفسكم». وما يلزم، كما قال في مكان آخر: «سوّوا المكان (غزة) بالأرض». وفي تصريحات أخرى، أبرز في زيارة للكيان البُعد الدنيوي للعلاقة، وقال: «إسرائيل هي عيون وآذان أميركا في الشرق الأوسط»؛ و»لا أحد يقدّم للولايات المتحدة ما تقدّمه إسرائيل من مساعدة».
وفي خطاب أمام جمهور محافظ، قال غراهام: «المسيحيون الإنجيليون هم العمود الفقري للدعم الأميركي لإسرائيل». وقال في تصريح آخر: «إذا سحبت أميركا دعمها عن إسرائيل، فسيسحب الله دعمه عنا». وعندما يكون عدد المسيحيين الإنجيليين الذين يدعمون الكيان الاستعماري في الولايات المتحدة نحو 80 مليونًا، ويصوت 83 في المائة منهم لصالح ترامب في آخر انتخابات رئاسية، فإن ذلك يفسر تأثيرهم على صناعة السياسة الأميركية.
وإذن، يقدم الطرفان الأكثر تأثيرًا في المعادلة الإقليمية– الكيان الصهيوني والولايات المتحدة- تفسيرًا للصراع يتضمن عناصر دينية واضحة على الأقل، ويرتكز نظريًا على «صراع الحضارات». إنهما يقولان للعرب، بأكثر من طريقة: نحن نخوض في منطقتكم صراعًا دينيًا. ولكن، بينما يُعرّف الخصوم (هل ما يزال يُنظر إليهم كخصوم حقًا؟!) الصراع في إطار حضاري/ ديني، يتشبث الخطاب العربي السياسي السائد بتعريف الصراع على أنه جيوسياسي– وديني فقط في بعده الداخل-إسلامي على أساس ثُنائية يُفرض عليها أن تكون متعارضة: سُني/ شيعي!
في الحقيقة، يصعب فهم هذا التعريف الانهزامي للصراع سوى أنه إنكار مرَضي ناجم عن صدمة- بافتراض حسن النية- يقصد التهرب من الاستحقاق الذي ترتبه مواجهة التعريف الأميركي-الصهيوني للصراع. وسوف يؤدي التكيف مع هذا التعريف حتمًا إلى تبني جزء من سردية الخصم. بل ويؤدي عمليًا بعض الأحيان إلى اصطفاف سياسي مع اليهودي الصهيوني والمسيحي الصهيوني، حتى مع أن خطاب هذين الجناحين للصهيونية لا يتكلف عناء إخفاء طابعه التوسعي ولا جذوره اللاهوتية.
النتيجة أن العرب يجدون أنفسهم في موقع دفاعي مزدوج: إنهم يتجنبون مواجهة التعريف الذي حدده الخصم للصراع، فيعيدون توجيهه بحيث يأكل الجسم الإسلامي نفسه الذي يُصنّفون ضمنه؛ وهو ما يعني تهميش الصراع الحقيقي- المرتبط بالهيمنة الأميركية على الإقليم وبالمشروع الصهيوني الاستيطاني التوسعي المعلن- في الخطاب السياسي والعمل، وتبني تعريف مجتزأ للصراع على أنه داخل-إسلامي.
التناقض واضح. وهو مصمم لترتيب التحالفات بطريقة تضمن الأذى الذاتي إستراتيجيًا، ويذهب إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي بطريقة مشوهة تُطبِّع مسعى الأذى الذاتي. عندما يتبنى العرب تعريفًا للصراع بطريقة تتعامى عن جذوره الفعلية -كصراع ديني/حضاري/ استعماري صريح، بالتعريف المعلَن للطرف الثاني فيه- فذلك تخدير لتحمُّل بتر الأعضاء والأطراف ومواجهة النتائج في نهاية المطاف؛ أو هو الانتحار الذاتي «بوعي» كما يفعل اليائسون. وعندما يتشوه الإدراك الإستراتيجي لأمة بحيث يخلط بين الخصم الثانوي والعدو المركزي، فذلك يضمن أن يكون العرب– سواء أرادوا الاشتباك أو أرادوا تجنبه- طرفًا في معركة لا يحددون إطارها ولا قواعدها –حتى بينما يعرف البسيط والحكيم أنهم ضحاياها– لأنها مُعلنة، ببساطة!







