الدرعاوي يكتب: تعامل الحكومة مع تداعيات الحرب

{title}
أخبار الأردن -

 

سلامة الدرعاوي


القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء للتعامل مع تداعيات التوترات الإقليمية الحالية هي جزء من إدارة اقتصادية استباقية لمخاطر باتت تشكل أحد أهم ملامح الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة، وهي مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع كلف الطاقة والشحن نتيجة التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
 

في صلب هذه القرارات يظهر هدف واضح يتمثل في الحفاظ على استقرار منظومة الطاقة والاقتصاد معا، فالأردن، بوصفه اقتصادا مفتوحا يعتمد على الاستيراد في جانب كبير من احتياجاته من الطاقة والسلع، يتأثر مباشرة بأي اضطراب في حركة التجارة أو في إمدادات الوقود، لذلك جاءت حزمة الإجراءات لتتعامل مع ثلاثة محاور أساسية في آن واحد: أمن الطاقة، استقرار سلاسل التوريد، واحتواء الكلف الإضافية التي قد تنتقل إلى المستهلك.
قرار وقف حصر استيراد البضائع الواردة بالحاويات عبر ميناء العقبة والسماح باستيرادها عبر المنافذ الحدودية البرية لمدة شهر يمثل استجابة لوجستية مباشرة لأي اختناقات محتملة في النقل البحري، فالتوترات الإقليمية غالبا ما تنعكس على حركة الملاحة وارتفاع كلف الشحن، وبالتالي فإن فتح قنوات بديلة لدخول البضائع يهدف إلى ضمان وصول الإرساليات المستعجلة إلى الأسواق المحلية دون تأخير، وهو إجراء مهم للحفاظ على تدفق السلع وعدم حدوث أي اضطراب في التزويد.
إلى جانب ذلك، جاء قرار الإعفاء من الرسوم الجمركية والضرائب المترتبة على الزيادة في أجور الشحن البحري لمدة ستة أشهر ليعالج جانب الكلفة، فارتفاع أجور الشحن عادة ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة، ومعنى هذا القرار أن الحكومة تحاول امتصاص جزء من هذه الزيادة حتى لا تتحول إلى موجة تضخم جديدة في الأسواق المحلية، وهو ما يشير إلى إدراك واضح للعلاقة المباشرة بين كلف النقل العالمية ومستويات الأسعار في الاقتصاد المحلي.
أما في ملف الطاقة، فإن السماح للشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية باستيراد الديزل وزيت الوقود لصالح شركة الكهرباء الوطنية يعكس إدارة تشغيلية مرنة لمنظومة الطاقة، وذلك لأن النظام الكهربائي في المملكة قائم على تنوع مصادر التزويد وخيارات التشغيل، حيث تعمل محطات التوليد أساسا على الغاز الطبيعي، لكنها قادرة على التحول إلى الوقود الثقيل أو الديزل عند الحاجة.
هذه المرونة التشغيلية ظهرت بالفعل بعد انقطاع إمدادات الغاز، إذ تم تفعيل الخطط البديلة وتشغيل بعض المحطات على الديزل والوقود الثقيل، في حين تستمر محطات أخرى بالعمل على الغاز الطبيعي المستورد عبر سفينة الغاز العائمة في العقبة، لذلك فإن تنويع المصادر هو عنصر أساسي في إستراتيجية أمن الطاقة التي اتبعتها المملكة خلال السنوات الماضية.
القرار المتعلق بالسماح لشركة الكهرباء الوطنية باستخدام جزء من المخزون الإستراتيجي من مادة الديزل يعكس أيضا طبيعة إدارة المخاطر في قطاع الطاقة، فالمخزون الإستراتيجي موجود أصلا لمواجهة الحالات الطارئة، واستخدامه لا يعني نقصا في الإمدادات، بل هو جزء من آلية مرنة يتم فيها السحب عند الحاجة ثم إعادة بناء المخزون لاحقا عبر الاستيراد من الأسواق العالمية.
المهم في هذا السياق أن المؤشرات التي عرضتها الحكومة تؤكد أن مستويات المخزون في المملكة تقع ضمن الحدود الآمنة عالميا، حيث يتراوح المخزون عادة بين ثلاثين وستين يوما في العديد من الدول، فيما تشير التقديرات إلى أن الأردن يمتلك مستويات مرتفعة تمكنه من مواجهة أي طارئ دون أن تتعرض منظومة الكهرباء أو إمدادات الوقود لأي اضطراب.
في المحصلة، تعكس هذه القرارات نهجا قائما على إدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات فعلية، فالاقتصاد الأردني لا يستطيع عزل نفسه عن التوترات الإقليمية، لكنه يستطيع تقليل آثارها عبر تنويع مصادر الطاقة، الحفاظ على مخزونات إستراتيجية كافية، وتوفير مسارات بديلة لسلاسل التوريد.
وهذه المعادلة، إذا استمرت بنفس المستوى من الجاهزية، تعني أن الاستقرار الاقتصادي في مثل هذه الظروف سيكون نتيجة تخطيط وإدارة محسوبة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية