خريسات يكتب: الضمان وعقد اجتماعي عابر للأجيال

{title}
أخبار الأردن -

 

رامي خريسات

يقتضي الإصلاح الحقيقي  للضمان الاجتماعي  في خطوته الأولى العودة عن التقاعدات الضخمة عبر وضع سقف واضح لها، إذ لا يعقل أن يتقاضى البعض رواتب بعشرات الآلاف من الدنانير. مما يتطلب إرساء أسس قانونية محكمة تحول دون الطعن في هذا السقف أو الالتفاف عليه تحت ذريعة "الحقوق المكتسبة"، مستلهمين في ذلك سوابق وطنية ناجحة في ضبط النفقات كانت في عهد حكومة دولة سمير الرفاعي حين خفض رواتب مجلس الوزراء ب 20 %. إن هذا الإجراء ليس مجرد خطوة تقشفية، بل هو إعادة صياغة لأسس العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بمواطنيها، بما يضمن حقوق الجميع دون استقواء فئة على أخرى.  
 

ويجب ان يتزامن هذا الإجراء مع تعديل معادلة الاحتساب لتعتمد أقصى عدد ممكن من سنوات الخدمة، بما يضمن كبح الرواتب الفلكية وربط المنفعة بمسار مهني طويل وحقيقي، إذ إن الواقع القائم يكشف خللاً واضحاً يتمثل في أن يتجاوز مجموع الرواتب التقاعدية المصروفة خلال 25 عاماً ثلاثة أضعاف ما تم دفعه من اشتراكات عن المدة ذاتها.
أما المشتركون الحاليون الذين تقع رواتبهم التقاعدية ضمن الحدود الطبيعية لتغطية تكاليف المعيشة، فيتركون دون مساس بحقوقهم المكتسبة، على أن تطبق أسس اشتراك جديدة على المشتركين الجدد فقط، وفق نهج اكثر استدامة وتوازناً يتناسب مع الزيادة السكانية وارتفاع متوسط العمر. 
وفي جانب التحفيز، يجب تشجيع الاستمرار في العمل بعد سن التقاعد المبكر عبر حوافز مالية ترفع رواتبهم المستقبلية، لا عبر تخفيضات تثقل معيشتهم. ومن المناسب إطلاق حملة وطنية لدمج "اقتصاد الظل" الذي يضم نحو 1.3 مليون عامل، من خلال أدوات اشتراك مرنة وحوافز تراعي طبيعة دخولهم المتقطعة، مع شمول منصات العمل الرقمية، وذلك للوصول إلى "المعادلة المثلى" المتمثلة في وجود سبعة مشتركين ملتزمين مقابل كل متقاعد جديد.
لذلك من المهم اعتماد البدائل العملية المجربة عالمياً، وبدلاً من التعقيدات الحالية يكون التقاعد انعكاساً لما تم دفعه فعلياً طوال سنوات الاشتراك مضافاً إليه عائد محدد مدروس (NDC) (Notional Defined Contribution)، وهو نموذج يحقق شفافية عالية وعدالة بين الأجيال، ويأخذ التضخم بعين الاعتبار دون تحميل النظام التزامات غير ممولة. وهو بالتأكيد افضل من النظام التقليدي (Defined Benefit)  الذي يعتمد الراتب فيه على معادلة (آخر راتب × عدد سنوات الخدمة × معامل معين)، وهنا تقع المخاطرة على الصندوق إذا عاش المتقاعد طويلاً أو كانت الرواتب الأخيرة مرتفعة جداً.
على الصعيد الاستثماري، يشير تحليل منتدى الإستراتيجيات الأردني المحق إلى أن متوسط العائد على أصول استثمارات الضمان يبلغ نحو
5.7 %، ضمن هيكل يتسم بتركيز مرتفع على الأدوات منخفضة المخاطر؛ حيث تشكل السندات الحكومية وأدوات الدخل الثابت قرابة 65 % من إجمالي الموجودات. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة الأسهم 15 % والعقارات 5 %، مع ضرورة توجيه الاستثمار العقاري نحو الأصول المدرة للدخل والقابلة للتسييل، تفادياً لتجميد السيولة في عقارات يصعب تحويلها إلى نقد.
عالمياً، يبلغ متوسط العائد في الدول المرجعية نحو 6.8 %، ويعزى هذا الأداء إلى التوزيع الإستراتيجي المتوازن لمحفظة الأصول في تلك الدول؛ حيث تشكل الأسهم الحصة الأكبر بنسبة
45 %، تليها السندات بنحو 33 %، بينما تتوزع النسبة المتبقية البالغة 22 % على أدوات استثمارية أخرى.
ورغم أن الفارق بين ما يحققه الضمان والدول المميزة يبدو طفيفاً  (1–2 %)، إلا أنه يحدث أثراً تراكمياً ضخماً بفعل العائد على مدى عقود، خاصة عند احتساب العائد الحقيقي بعد خصم التضخم. وبالتالي، فإن هذا الهيكل المحافظ لأصول الضمان يحد من نمو الأصول مستقبلاً، ما يستدعي الانتقال من إدارة السيولة إلى تعظيم العائد الحقيقي ضمن محفظة إستراتيجية متوازنة.
ولضمان ديمومة هذه الإصلاحات، يجب الاقتداء بالدول المتقدمة التي لا تعيد فتح نقاش سن التقاعد كل عقد لزمن، بل تربطه قانونياً بمتوسط العمر المتوقع للسكان وتحسن الرعاية الصحية؛ بحيث يرتفع السن تلقائياً مع مرور الزمن. هذا النهج يضمن التوازن المالي المستدام ويخفف الجدل السياسي، ويجنب المجتمع حالة التشنج واستنزاف الجهد المصاحب لكل تعديل تشريعي. والأهم يشكل  الضمانة الحقيقية لديمومة هذا العقد الاجتماعي المتجدد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية