العايدي يكتب: السرديات (1): حروب السرديات في الشرق الأوسط.. أين يقف العرب؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


السردية ليست مجرد قصة تروى، أو تاريخ يحكى، بل إطار فكري يفسر الواقع ويمنحه معنى وبعداً، وهي طريقة ترتيب الوقائع وتفسيرها ضمن رؤية معينة، بحيث تتحول الأحداث إلى قصص كبرى تساهم في تشكيل الوعي الجماعي، وتتجلى أهمية السردية في ثلاثة أبعاد أساسية وهي: الشرعية: بحيث تمنح الفعل السياسي معنى أخلاقياً أو تاريخياً، والهوية: التي تبني شعوراً جماعياً بالانتماء، والتعبئة: بحيث تهيئ المجتمع لدعم السياسات ومواجهة التحديات.
 

في السياسة الحديثة القوة التي لا تملك السردية تتحول في نظر العالم إلى مجرد عنف، ولهذا تسعى الدول إلى بناء روايات كبرى، تقدم من خلالها نفسها بوصفها حامية لقضية أخلاقية، أو تاريخية، أو حضارية، من أجل شرعنة استخدام القوة في وقت ما، وحماية الذات من أي اعتداء، أو نشر الوعي بماضيها ومستقبلها، كما تستخدم السرديات من أجل تحشيد الجماهير حول رؤية معينة للصراع، وهكذا تصبح السرديات جزءاً من أدوات القوة، مثلها مثل الاقتصاد أو الجيش أو التحالفات، وتتحول الوقائع نفسها إلى مادة خام تعاد صياغتها داخل سرديات مختلفة.
ويتم صناعة السرديات عبر شبكات معقدة من المؤسسات الإعلامية، والثقافية، والدينية، والخطاب السياسي، وحتى الانتاج الفني، فالدولة التي تهتم بصياغة السردية تعمل على اختيار أحداث معينة من التاريخ وإبرازها، كما تفسر الحاضر من خلال تلك الأحداث التي أبرزتها، وترسم مستقبلاً يبدو امتداداً طبيعياً لهذه القصة، وبذلك تصبح السردية إطار تفسيري شامل يجعل الوقائع مفهومة من خلال زاوية واحدة، وكلما كانت السردية أقوى كانت الشعوب أقدر على تحمل التبعات ومواجهة التحديات.
الشرق الأوسط اليوم مسرح لصراع متداخل بين سرديات متنافسة، كل واحدة تحاول أن تفرض تفسيرها، والصراع الأساسي لا يقع على الأرض، بل في أذهان الشعوب أيضاً، وفي هذا الفضاء تبرز السردية الإيرانية والسردية الإسرائيلية، وبينهما يقع العرب في مسافة حرجة من الغياب، فتقوم السردية الإيرانية على الثورة كهوية مركزية تصور إيران بوصفها قوة مبدئية، ووسيلة للتحرر والاستعادة التاريخية، وإقامة دور إقليمي كحامية للمظلومين، خاصة في الصراعات العربية والإقليمية، كما تجمع بين الدين والسياسة كإطار لفهم الأحداث واتخاذ القرارات، هذه السردية التي تجمع بين التاريخ والطائفة والسياسة، من أجل الهيمنة على الإقليم، تفسر على ضوئها كل حدث سياسي أو عسكري ضمن هذا الإطار، منه الدعم للحركات الإقليمية، والصراع مع الخصوم، وحتى تطوير قدراتها النووية، ولا ينظر إليه فقط كخيار إسترتيجي، بل كامتداد طبيعي للسردية الكبرى لديهم.
وعلى الطرف المقابل يقوم الكيان الإسرائيلي منذ تأسيسه على صناعة سردية وطنية متماسكة، تدعي حماية نفسها من تهديد وجودي، فتقدم نفسها كمجتمع في خطر دائم يتوجب حمايته، وتفسر وجود الدولة كحق طبيعي وتاريخي، هذه السردية غرست في التعليم والإعلام والذاكرة الجماعية المشتركة، وأصبحت مرجعية توافقية داخل المجتمع الإسرائيلي، رغم تعدد الأطياف السياسية، والنتيجة أن كل قرار سياسي أو عسكري عندهم، يقرأ في إطار هذه السردية، حتى رسم الخطط المستقبلية للتوسع والنفوذ، كلها تبرر ضمن القصة الكبرى التي صاغها الكيان. 
في مواجهة هذه السرديات الكبرى تقف الدول العربية رغم تاريخها وثقافتها الغنية، تعاني من فجوة سردية واضحة، فهي لم تنجح غالباً في بناء سردية عربية جامعة، تفسر موقعها في العالم، وتحدد رؤيتها المشتركة للمستقبل، والنتيجة أن الفضاء العربي أصبح مفتوحاً لسرديات متعددة ومتعارضة، بعضها محلي وبعضها مستورد من صراعات الآخرين، ومع غياب الرواية الجامعة تتشتت الرؤية السياسية العربية، ويضعف الوعي المشترك فتفقد المجتمعات إحدى أهم أدوات القوة المعاصرة، القصة التي توحدها وتمنحها معنى لموقعها في التاريخ، فقبل مواجهة سرديات الآخرين، هناك معركة بناء سرديات عربية ووطنية جامعة، تعيد تعريف الذات، وتمنح المجتمعات القدرة على فهم حاضرها، وصياغة مستقبلها.
إن المعركة الكبرى اليوم ليست فقط على الأرض أو السياسة، بل على الوعي العربي، من يملك القدرة على سردية متماسكة جامعة تحمي المجتمعات من الانقسام، وتمنحها القدرة على فهم موقعها في الصراعات الإقليمية، وتحد من قدرة الآخرين على التحكم في وعيها، أو صناعة سرديات تصاغ لهم من الخارج تفسر تاريخهم وترسم لهم مستقبلهم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية