الفضيل يكتب: عودة المسيح ومعركة هرمجدون

{title}
أخبار الأردن -

 

د. زيد بن علي الفضيل

في لقائه المهم مع المذيعة كريستيان أمانبور على شبكة CNN، حول تصاعد وتيرة الحرب على إيران جراء اعتداء إسرائيل والولايات المتحدة عليها، وضع الأمير تركي الفيصل يده على موضع الجرح وأساس البلاء الذي سيطر على خريطة العمل السياسي في القرن العشرين وصولا إلى اليوم، وذلك بتسليطه الضوء على المعتقدات الكارثية التي باتت تحكم الإطار السياسي والعسكري في منطقة الشرق الأوسط، وجميعها تتمحور حول التهيئة لعودة المسيح وسيادة الحق والخير في مقابل موت الباطل والشر. 

وكان مما قاله في هذا الإطار: "إننا في المنطقة نواجه أجندتين، كلاهما كارثي (بحسب قوله)، إحداهما إسرائيلية، وهي أجندة إسرائيل الكبرى، وقد تحدث عنها نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون آخرون. تريد إسرائيل التوسع من نهر النيل إلى الفرات. والأخرى، هي الأجندة الإيرانية، وعودة الإمام الغائب الذي اختفى منذ ما يقارب سبعة أو ثمانية قرون، وسيعود ليجعل العالم مكانًا يسوده السلام، ويُهيئ لمجيء المسيح. أما الأجندة الثالثة التي تؤثر علينا، ولها صدى في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، فهي الأجندة الصهيونية المسيحية التي تسعى لرؤية عودة المسيح. ويُعدّ وجود إسرائيل في عقيدتهم ومصطلحاتهم ضروريًا لتحقيق ذلك". 

الملفت للنظر أن كريستيان أمانبور لم تخالفه في الرأي، بل زادت بقولها تعليقا على طرحه قائلة: "أودّ فقط التعليق على ما ذكرته بشأن الرؤى الكارثية، لأنك أشرتَ إلى وجهات النظر الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية، وفي الواقع، وردت هذا الأسبوع تقارير وشكاوى من العديد من الضباط والجنود الأمريكيين عبر قيادتهم، تفيد بأنهم أُبلغوا بأن حرب القوات الأمريكية على إيران هي جزء من معركة هرمجدون. هذا ما قيل لهم في بعض وحداتهم وقواعدهم من قِبل قادتهم. وهذا يُؤكد ما ذكرته للتو". 

إذن نحن أمام حرب برؤى دينية، ولعمري فهذه هي الكارثة، إذ كيف تقنع مؤمنا بعقيدة إلهية بأن عمله خاطئا، وأن الدمار سيكون مآل ما يقوم به، حتما لن يستمع لأي قول منطقي، وسيعتبر كل الضحايا قرابين مهداة إلى الله من أجل تحقيق غايته الكبرى والتي أرادها الله. والكارثة الأعظم حين يسيطر هذا الفكر وهذا التوجه على قادة أكبر وأقوى دولة في العالم والتي بنت أسس مجتمعها على رؤى مدنية تنطلق من مواثيق حقوق الإنسان والحرية والعدالة والمساواة لكل الناس دون النظر إلى ألوانهم وأعراقهم ودياناتهم. هكذا تأسست الدولة الحديثة في الغرب، وتمثلتها الولايات المتحدة في منظومتها الدستورية، واليوم ومع تسيد الإنجيليين في الحكم يتم تغيير ذلك لتنطلق قرارات ساستها من مرجعية دينية ونبوءة توراتية تَمكَّن الصهاينة من زرعها في أذهانهم، وجعلوا منها عنوانا للخلاص المسيحي.   

إنها معركة هرمجدون (Armageddon) الفاصلة بين قوى الخير والشر وفق سفر الرؤيا، وتقع في سهل مجدون بفلسطين، وينتظر المسيحيون فيها عودة المسيح لتحقيق انتصارهم الكلي، ومن هنا تنبع الأهمية السياسية لهذه المعركة، حيث يؤمن بعض المسيحيين المحافظين بحتمية هذه المعركة، مما يدفعهم لدعم إسرائيل لتهيئة الظروف لعودة المسيح. 

ومن أجل ذلك يرى نسبة وازنة من الشعب الأمريكي بأن الأحداث السياسية الحالية في الشرق الأوسط هي مقدمات لهذه المعركة، وفي ذلك كان حديث الرئيس ريغن عام 1980م الذي أشار في مقابلة متلفزة قائلا: "إننا قد نكون الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون". وفي عام 2008م ذكرت مجلة دير شبيغل الألمانية عن الرئيس جورج دبليو بوش قائلة: أصبح بوش واحداً من الستين مليون أمريكي الذين يؤمنون بالولادة الثانية للمسيح. وأشارت تقارير منظمة حقوق الإنسان إلى وجود هيئات وجمعيات سياسية وأصولية في الولايات المتحدة تؤمن بأن نهاية العالم قد اقتربت، وأننا نعيش في الأيام الأخيرة التي ستقع فيها معركة هرمجدون، وهي المعركة الفاصلة التي ستبدأ بقيام العالم بشن حرب ضد دولة إسرائيل، وبعد أن ينهزم اليهود يأتي المسيح ليحاسب أعداءهم ويحقق النصر، ثم يحكم المسيح العالم لمدة ألف عام يعيش فيه الناس بحب وسلام كاملين.

في الجانب الأخر يؤمن المسلمون بأن ملحمة كبرى ستكون بينهم وبين الروم واليهود دون الإشارة إلى اسم هرمجدون، وأن مآلها سيكون انتصارا للمسلمين، ومع اختلاف تفاصيل ذلك في الروايات الواردة في كتب أهل السنة، والروايات الواردة في مصادر الشيعة الإثناعشرية، إلا أن مؤداها واحد وهو الانتصار للمسلمين، كما تشير إلى خروج المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، ويُجمع أهل السنة والشيعة على أن ظهوره يُعد علامة من علامات الساعة الكبرى، لكنهم يختلفون في كونه قد ولد كما تقول الطائفة الشيعية وأنه محمد ابن الإمام الحسن العسكري، أو سيولد لاحقا بإذن الله ووقت إرادته كما تقول مصادر أهل السنة إجمالا وأن اسمه واسم أبيه سيكون مطابقا لاسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسيظهر في آخر الزمان، وتخرج له رايات سود من المشرق، وفي زمانه يخرج الدجال، كما ينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيُصلي خلفه. 

على أن ذلك ليس متفقا عليه عند الإباضية والزيدية، حيث يرفض الإباضية قبول الأحاديث الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان، ويرفضون روايات الدجال، ونزول عيسى، والملاحم والفتن، ويؤمنون بأن الحق لا ينتظر مصلحاً يظهر، بل يجب على الأمة إقامة الحق بأنفسهم؛ وكذلك الزيدية الذين لا يؤمنون بفكرة الغيبة، ولا يربطون نهاية الزمان بظهوره، ويرون تعدد المهديين متى ما تحققت فيهم شروط الإمامة والتي منها أن يكون عالما مجتهدا، زاهدا، شجاعا، إلخ.

هكذا بلورة الرواية الدينية في الجانبين الإسلامي والمسيحي الإطار المنهجي للسياق السياسي، وفي المحصلة نجد اليهود هم المستفيدين وبخاصة في السياق المسيحي الإنجيلي، وهذا ما نعيشه اليوم في فترة الرئيس الأمريكي ترمب الذي يتصور وفق الرؤية الإنجيلية بأنه الرئيس المخلص، ولهذا نراه مستميتا في الدفاع عن إسرائيل ومُضحيا بأخر جندي أمريكي من أجل بقائهم وسيطرتهم على مقاليد الشرق الأوسط. 

على أني أرى بأن كل ما يجري من حرب على إيران، وإدخال الشرق الأوسط في حالة واسعة من اللهيب المدمر، ليس استجابة لرؤية دينية، وليس مواجهة لخطر قادم من إيران كما يقول ترمب ونتنياهو، وإنما هربا من سجن محقق بحكم ما بات يتكشف في ملف أبستين بالنسبة للرئيس ترمب؛ وفساد ثابت متهمٌ به نتنياهو؛ وعليه وبحكم نمط سلوكهما وطبيعة شخصيتيهما، سيعمد الرئيسان إلى حرق العالم من أجل بقائهما سالمين، وفي التاريخ نماذج كثر، والعبرة فيمن يقرأ ويتدبر ويستفيد ويدرك مسار الخروج، كما هو الحال مع الأمير تركي الفيصل الذي رسم خارطة طريق واضحة لفهم واقع ما نعيشه من إشكال، محددا مكان انبعاث الخطر، وهوية الباعث له وهو نتنياهو. فطوبى له ما هو فيه من وعي وإدراك. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية