حنين بني عامر تكتب: الهجمات السيبرانية في ظل التصعيد الإقليمي.. واستهداف صوامع القمح
د حنين بني عامر
أصبح الفضاء السيبراني ساحة صراع تهدد الأمن الوطني للدول، وتبرز الأحداث الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط منذ بداية شهر رمضان 2026 هذا التحول، حيث شنت إيران سلسلة من الهجمات على دول عربية شملت صواريخ ومسيرات، ما زاد من حالة التوتر وعدم الاستقرار الإقليمي.
وسط هذا المناخ الأمني المتوتر، تعرضت المملكة لمحاولة اختراق سيبراني استهدفت صوامع القمح الوطنية التابعة للشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين، وفق ما أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني، وأوضح المركز أن الهجوم كان يهدف إلى التلاعب بدرجات حرارة تخزين القمح، ومع ذلك، تمكنت فرق الأمن السيبراني الأردنية من إحباط الهجوم بالكامل.
وتعد هذه الحادثة نموذجًا واضحًا لتطور طبيعة التهديدات السيبرانية، إذ لم تعد المنشآت العسكرية وحدها أهدافًا، وتعكس الحادثة أيضًا الطبيعة غير التقليدية للحرب السيبرانية، التي تعتمد على السرعة والمباغتة وصعوبة تتبع مرتكبيها، مما يجعلها تهديدًا استراتيجيًا حقيقيًا يمكن أن يزلزل استقرار الدولة دون إطلاق رصاصة واحدة.
وأكد الأردن من خلال هذه التجربة فاعلية منظومته الوطنية للأمن السيبراني، بما في ذلك فرق الاستجابة للحوادث السيبرانية، والتنسيق بين الجهات الوطنية، ويعكس ذلك وعي المملكة بأهمية دمج الأمن السيبراني ضمن منظومة الأمن الوطني الشامل، وإعداد استراتيجيات دفاعية مدروسة وأطر تشريعية، إلى جانب التعاون الدولي لمواجهة الهجمات العابرة للحدود.
تبعًا لذلك، وفي ظل تصاعد التهديدات السيبرانية وتنامي استخدامها كوسيلة لإضعاف الدول وزعزعة استقرارها، بات من الضروري تبني آليات أمنية فعالة لتعزيز القوة السيبرانية وتحقيق الأمن السيبراني.
ويعد بناء القدرات السيبرانية أحد أهم الآليات الأمنية ويستدعي ذلك تأهيل الكوادر البشرية، وتدريبها على تقنيات الكشف والتتبع والتحليل. كما تبرز أهمية إنشاء مكتبات للتهديدات السيبرانية بوصفها قواعد معلومات استراتيجية تعنى بجمع وتحليل بيانات التهديدات ونوايا الخصوم وقدراتهم، بما يتيح التنبؤ بالهجمات المحتملة ودعم عملية اتخاذ القرار الأمني. إلى جانب ذلك، تعد فرق الاستجابة والكشف المبكر عن الحوادث السيبرانية من الركائز الأساسية للأمن السيبراني، لما لها من دور في الرصد اللحظي، وتحليل الهجمات، والحد من آثارها قبل توسع نطاقها.
وبناءً على ما تقدم، يتضح أن الآليات الأمنية لمواجهة الحروب السيبرانية لا تقوم على إجراء منفرد، بل على منظومة متكاملة تجمع بين القدرات العسكرية، والبنية التقنية، والموارد البشرية المؤهلة، والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
وتعتبر الأردن من البلدان التي حققت تقدمًا واضحًا في بناء منظومة وطنية متكاملة لمواجهة التهديدات السيبرانية، فقد أنشأت المملكة المركز الوطني للأمن السيبراني كجهة وطنية مركزية مسؤولة عن وضع السياسات والاستراتيجيات الوطنية للأمن الرقمي، وتطوير الأطر التنظيمية والتقنية لحماية الفضاء السيبراني الأردني، وقد تم تأسيس فريق الاستجابة لحوادث الأمن السيبراني (JO-CERT) في عام 2017، وهو فريق متخصص يعمل على مدار الساعة لتعقب الحوادث السيبرانية، والاستجابة لها، والتحقيق فيها، وحماية الشبكات العامة والبنى التحتية الحيوية من الهجمات.
ختامًا، برهنت تجربة الأردن قدرة عالية على الردع، من خلال منظومة متكاملة تؤكد أن حماية البنية التحتية الحيوية والدفاع عن الأمن الغذائي يمثلان ركائز أساسية في مواجهة الحروب السيبرانية، لمواكبة التهديدات المتنامية في الفضاء الرقمي، بما يضمن الحفاظ على استقرار الدولة وأمن مواطنيها.
وبناءً على ما تقدم، يوصى بضرورة تعزيز البنية التحتية الرقمية الحيوية من خلال تحديث أنظمة التحكم واعتماد تقنيات حماية متقدمة بشكل مستمر، إلى جانب تطوير الكوادر الوطنية عبر برامج تدريبية مستمرة تشمل محاكاة الهجمات السيبرانية واختبارات الاستجابة الفعلية، لضمان جاهزية الفرق الوطنية، بالإضافة إلى توسيع التعاون الدولي وتبادل المعلومات مع الدول والمنظمات المتخصصة للاستفادة من الاستخبارات والتنبؤ بالتهديدات المحتملة.







