العثامنة يكتب: ما بعد الضربة الأولى… هل تبدأ حرب الاستنزاف مع إيران؟
مالك العثامنة
في معادلات الحروب المعاصرة، لا تكمن المشكلة في القذيفة الأولى، بل في السؤال الذي يلي متوالية النار والبارود: هل نحن أمام جولة ردع قاسية تنتهي بسرعة، أم أمام مسار يتدحرج ببطء نحو استنزاف طويل يعيد رسم توازنات الإقليم؟
المشهد الحالي في الحرب الدائرة على إيران يوحي للوهلة الأولى بأن المنطقة تقف على أعتاب صراع طويل، فالتصريحات السياسية تحمل سقوفا مرتفعة، واللغة المستخدمة تتحدث عن قدرات صاروخية وبحرية وشبكات نفوذ إقليمية، وهي ملفات لا تُحسم عادة بضربة واحدة، لكن القراءة الباردة للتجارب القريبة تقول إن الفرق كبير بين الخطاب المعلن والهدف الحقيقي للحرب، فكثير من النزاعات تبدأ بضجيج سياسي مرتفع بينما يكون الهدف الفعلي إعادة ضبط ميزان الردع لا أكثر، أي إلحاق ضرر كافٍ بالخصم لإجباره على إعادة حساباته دون الذهاب إلى معركة تغيير شامل للنظام أو تفكيك كامل لقدراته.
العنصر الأكثر حساسية في هذه المواجهة ليس عدد الصواريخ ولا حجم الضربات، بل موقعها في الاقتصاد العالمي، فمجرد دخول مضيق هرمز إلى المعادلة ينقل الحرب من ساحة عسكرية محدودة إلى قلب الاقتصاد الدولي، فمضيق هرمز ليس ممرا عاديا في الخريطة، بل شريان طاقة تعبر منه وفيه نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية، ولهذا فإن أي تهديد فعلي بإغلاقه يرفع كلفة الحرب إلى مستوى يتجاوز الأطراف المباشرة. لكن هذه الورقة، رغم خطورتها، ليست أحادية الاتجاه، لأن تعطيل المضيق لفترة طويلة يعني أيضا مواجهة مباشرة مع قوى بحرية كبرى وضغطا هائلا من الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على تدفق الطاقة من الخليج، لذلك غالبا ما يُستخدم هرمز كورقة ضغط لرفع كلفة الحرب لا كخيار إستراتيجي دائم.
العامل الثاني الذي يحدد مسار الصراع هو اتساع الجغرافيا فيها، فالحروب التي تبقى داخل حدود دولة واحدة غالبا ما تنتهي بسرعة نسبية، أما حين تبدأ خطوط الاشتباك بالتمدد إلى قواعد عسكرية ومنشآت حيوية في دول الجوار، وعندما تدخل شبكات النفوذ والوكلاء إلى المعركة، فإن ذلك يفتح الباب أمام حرب متعددة الجبهات يصعب حسمها بسرعة، ومع ذلك تظهر التجارب أن هذا النوع من الحروب يبقى في كثير من الأحيان تحت سقف محسوب، لأن كل طرف يدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة في الخليج قد يحمل كلفة لا يستطيع أحد تحملها.
لكن يبقى العامل الأكثر غموضا وهو المخرج السياسي، فغيابه في الأيام الأولى من الحرب لا يعني بالضرورة عدم وجوده، لأن القنوات الخلفية في مثل هذه الصراعات تبدأ بالعمل منذ اللحظة الأولى تقريبا، حتى لو استمر القصف في العلن، وغالبا ما تتقدم هذه القنوات ببطء بينما يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي على الأرض قبل أن تظهر صيغة تهدئة أو تفاهم غير معلن يعيد تثبيت قواعد الاشتباك.
لهذا يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة: الأول مسار قصير يمتد لأسابيع إذا كان الهدف الفعلي توجيه ضربة قاسية تعيد رسم خطوط الردع دون توسيع الحرب.
والثاني مسار متوسط يمتد لأشهر في حال استمرار الضربات المتبادلة والضغط البحري والاقتصادي دون انفجار شامل، أما المسار الثالث فهو حرب منخفضة الوتيرة تمتد زمنا أطول عبر هجمات محدودة وعمليات سيبرانية واستهداف متقطع للملاحة أو للقواعد العسكرية.
المفارقة أن القصف نفسه قد لا يستمر طويلا، بينما تبقى آثاره السياسية والاقتصادية لفترة أطول بكثير، فأسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وإعادة انتشار القوات، وحالة القلق الإستراتيجي في المنطقة كلها عوامل قد تبقى معنا حتى بعد أن تهدأ المدافع، وفي النهاية، لا يُقاس طول الحرب بعدد الأيام التي تستمر فيها الضربات، بل بعمق التحول الذي تتركه في توازنات المنطقة بعد أن تنتهي.







