شبلي يكتب: التفاعلات الرئيسية في الشرق الأوسط في ظل الأزمة مع إيران

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور سعد شاكر شبلي

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالبة من الاضطراب وعدم الاستقرار ارتبطت في جانبها الأساسي في الأزمة المشتعلة بين القوات الأمريكية والإسرائيلية من جهة والقوات الإيرانية من جهة أخرى، فقد أسفرت الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي بدأت في 28 فبراير 2026، عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي ومعظم قادة الدفاع، مما أدى إلى فراغ في القيادة وتشكيل مجلس مؤقت لاختيار خليفة له .في المقابل، ردت إيران بصواريخ وطائرات مسيرة استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في عدة دول خليجية، وأغلقت مضيق هرمز، مهددة بمنع مرور أي ناقلة نفط .

وعند التوقف من أجل إجراء تحليل لتطوراات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ومحاولة وضع إجابات شافية للتساؤلات التي برزت خلال الأيام القليلة الماضية، فإن ذلك يستوجب تقسيم تلك التطورات حسب المجالات الآتية:

  1. مدى إمكانية التعايش مع هذه الأزمة لو طالت مدتها

من المستبعد جداً أن يتمكن أي طرف من "التعايش" مع استمرار هذه الأزمة الحالية بشكلها المتفجر، وذلك للأسباب التالية:

  • عسكرياً: أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قدرات إيران الدفاعية "تعرضت لتدهور شديد" بعد استهداف أكثر من 2000 هدف، بما في ذلك 17 سفينة إيرانية . هذا يعني أن إيران فقدت جزءاً كبيراً من ترسانتها الدفاعية والهجومية، مما يدفعها لاستخدام ما تبقى لديها بشكل غير تقليدي وغير متوقع، مثل: إغلاق المضيق بشكل كامل ، واستمرار القتال بهذا المستوى سيؤدي إلى حرب استنزاف لا تستطيع إيران تحملها، ولكنها ستكون مكلفة جداً للقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة (50,000 جندي) .
  • اقتصادياً: تشير تقديرات عدد من الخبراء الاقتصاديين والتي عضدها أحد كبار مستشاري الحرس الثوري إلى أن إغلاق المضيق قد يرفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل. ويبدو أن التعايش مع أسعار نفط بهذا المستوى لفترة طويلة سيحدث ركوداً تضخمياً عالمياً حاداً. كما أن تأمين الناقلات عبر المضيق يتطلب قافلة بحرية أمريكية، مما يزيد تكاليف التأمين والشحن التي قفزت أصلاً أربعة أضعاف .
  • سياسياً: لا يمكن التعايش مع أزمة أدت إلى مقتل مرشد أو قائد دولة بحكم الأمر الواقع (خامنئي) وفراغ في القيادة، وهنا يصبح المتأمل أمام احتمالين أحلاهما أشد مرارة على أسوء شخص فقد حاسة الذوق، هما: إما أن تنهار الجمهورية الإسلامية أو أن تتحول إلى حالة ثورية دائمة للرد على الضربة، مما يعني استمرار الفوضى .

وعليه فإن المنطقة أمامها أسابيع من التصعيد وليس التعايش، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث عن عملية قد تستمر من 4 إلى 5 أسابيع، مع احتمال تمديدها .

  1.  التحديات المترتبة عن هذه الأزمة تجاه دول الشرق الأوسط والعالم

لقد فتحت هذه الأزمة عدة صناديق كانت مغلقة على المستويات كافة:

  • تحديات أمنية وجودية لدول الخليج: أكبر تحول في هذه الأزمة هو إعلان إيران أن "أي دولة تستضيف أصولاً عسكرية أمريكية هي هدف مشروع" . هذا يعني أن دولاً مثل قطر (قاعدة العديد)، الإمارات (قاعدة الظفرة)، الكويت، والبحرين أصبحت في خط النار المباشر، وقد تعرضت بالفعل لهجمات صاروخية وإغلاق سفارات .
  • تحديات اقتصادية عالمية (صدمة نفطية مزدوجة):
    • تعطل الإنتاج: توقف مؤقت لمصفاة رأس تنورة السعودية ومصفاة الغاز المسال القطري .
    • إغلاق طرق الملاحة: توقف الشحن عبر مضيق هرمز الذي يعبر منه 20% من استهلاك العالم للنفط .
    • ارتفاع الأقساط: قفزت تكلفة استئجار ناقلة نفط من الخليج إلى آسيا إلى مستويات قياسية (أكثر من 400,000 دولار يومياً) .
  • تحديات إنسانية وأزمة ثقة عالمية: استهداف البنى التحتية المدنية، مثل المدرسة في محافظة ميناب الإيرانية والتي راح ضحيتها أكثر من 160 طالبة ، يخلق أزمة ثقة في الرواية الغربية ويصعّب من أي تسوية سياسية مستقبلية. كما أن آلاف المواطنين الأمريكيين عالقون في المنطقة بسبب إغلاق المجال الجوي، مما يخلق ضغطاً سياسياً داخلياً على الإدارة الأمريكية .
  1.  مدى إمكانية توظيف الإكراه والدبلوماسية في التعامل مع إيران

الوضع الحالي يعكس فشلاً ذريعاً للإكراه والدبلوماسية معاً، على الأقل في المدى القصير، حيث أن: 

  • الدبلوماسية كانت غطاءً: تشير معطيات الواقع إلى أن المفاوضات التي سبقت الضربات (التي توسطت فيها عُمان) استُخدمت كورقة تغطية أمريكية لشراء الوقت والاستعداد عسكرياً، حيث تم التخطيط للعملية على مدار أشهر . الأمر الذي أفصح بأن المفاوضات الجادة تم تقويضها .
  • الإكراه وصل أقصاه: الضربات الحالية تهدف إلى "إبادة" القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، مما يعني أن الهدف هو نزع سلاح الردع الإيراني كلياً ، خاصة بعد مقتل المرشد خامنئي، بحيث لم يعد هناك مجال للإكراه التدريجي (عقوبات مقابل تنازلات)، بل جرى الانتقال إلى مرحلة فرض الأمر الواقع بالقوة.
  • فرصة محدودة للدبلوماسية: قد تظهر الدبلوماسية مجدداً بعد أن تهدأ وتيرة الضربات، ولكنها ستكون مع قيادة إيرانية جديدة (مجلس مؤقت من ثلاثة أشخاص حالياً) ، وهي قيادة إما أن تكون أشد تشدداً للرد على مقتل قادتها، أو أضعف بحيث لا تستطيع تقديم تنازلات. أي مفاوضات مستقبلية ستركز على منع إعادة بناء البرنامج النووي، وليس على حل الخلافات .
  1.  المسارات المحتملة في تطورات الأزمة

هناك عدة سيناريوهات محتملة، تتوقف على قرار البيت الأبيض وقدرة القيادة المؤقتة في إيران على السيطرة:

  • المسار الأول (السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً): حرب استنزاف إقليمية محدودة ولكنها ممتدة.
    • عسكرياً: استمرار الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية لـتدمير ما تبقى من قدرات إيرانية، مقابل وابل يومي من الصواريخ والمسيرات الإيرانية على القواعد الأمريكية وإسرائيل، مع تركيز إيراني على استهداف البنية التحتية للنفط في الخليج .
    • سياسياً: محاولة الولايات المتحدة فك ارتباط  ما يعرف محور المقاومة عبر ضرب حزب الله في لبنان (الذي بدأ بالفعل إرسال قوات إلى جنوب لبنان) لمنعه من فتح جبهة واسعة .
  • المسار الثاني (التصعيد الخطير): اجتياح بري أو انهيار إيراني داخلي.
    • عسكرياً: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يستبعد إرسال قوات برية إذا فشلت الضربات الجوية في كسر الإرادة الإيرانية، أو إذا حاولت إيران شن هجوم كبير بطائرات مسيرة على حاملة طائرات أمريكية، فقد يُضطر البنتاغون لشن عملية برية محدودة لتأمين السواحل أو المنشآت النووية.
    • داخلياً: الضغط العسكري قد يؤدي لانهيار النظام من الداخل. وقد دعا الرئيس ترامب الشعب الإيراني صراحةً إلى الاستيلاء على حكومتكم إذا خرجت احتجاجات شعبية واسعة، فقد تنقل من حرب دولية إلى حرب أهلية.
  • المسار الثالث (السيناريو المستبعد حالياً): العودة إلى طاولة المفاوضات.
    • هذا يتطلب وقفاً فورياً لإطلاق النار، وهو أمر غير مطروح أمريكياً طالما أن الهدف المعلن هو تدمير القدرات العسكرية الإيرانية .
  1. مآلات أخرى محتملة من استمرار الأزمة
  • إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية (تطبيع جديد تحت النار):  الدول الخليجية التي تعرضت للصواريخ الإيرانية بالرغم من عدم مشاركتها في الهجوم ، ستضطر لإعادة حساباتها. وقد نرى تسريعاً لخطوات التطبيع الأمني مع إسرائيل تحت المظلة الأمريكية، أو على العكس، ضغوطاً شعبية داخل هذه الدول للابتعاد عن التحالف الأمريكي لتجنب الاستهداف.
  • انهيار الأعراف الدولية والقانون الدولي: هذه الضربات تمثل انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4) وفقاً للأعراف الدبلوماسية، حيث تم توجيهها بينما كانت المفاوضات جارية ولم يكن هناك هجوم إيراني وشيك وموثوق ، وإن  استمرار الأزمة يعني ترسيخ مبدأ "الهجوم الوقائي" كقاعدة جديدة في العلاقات الدولية، مما يهدد استقرار مناطق أخرى في العالم.
  • تحول سوق الطاقة العالمي المتسارع: صدمة أسعار النفط والغاز هذه ستسرع من بحث الدول المستوردة الكبرى (خاصة في أوروبا وآسيا) عن بدائل للطاقة بعيداً عن منطقة الخليج، سواء بالعودة للفحم أو تسريع مشاريع الطاقة المتجددة، مما سيكون له أثر جيوسياسي بعيد المدى على اقتصادات دول المنطقة بعد انتهاء الأزمة.

باختصار، نحن أمام نقطة تحول تاريخية حيث تحول الصراع من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة بهدف تغيير النظام الإيراني أو نزع سلاحه بالكامل. وأن العبء الأكبر يقع الآن على دول المنطقة التي أصبحت ساحة وهدفاً في آن واحد.

 

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية