القصاص يكتب: الذكاء الاصطناعي والحروب .. وجهه نظر

{title}
أخبار الأردن -

 

د. مالك القصاص

لقد أكدت التطورات الإقليمية الأخيرة أن التكنولوجيا أصبحت جوهر القوة العسكرية الحديثة، فلم يعد التفوق العسكري يقاس بحجم الترسانات التقليدية أو عدد المنصات القتالية، بل بامتلاك منظومات ذكية قادرة على إدارة الحروب وصياغة إيقاعها وتحديد مساراتها.

كما وبات التميز العسكري يرتكز على سرعة تطوير التقنيات، ومرونة تحديثها، وقدرة الدول على دمج التكنولوجيا المتقدمة في بنيتها الدفاعية بوتيرة تتجاوز خصومها. وبالإضافة الى ذلك، يعتبر الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والفضاء، والحوسبة المتقدمة، ركائز أساسية وعناصر حاسمة في اعادة تشكيل ميزان القوى وتحدد مستقبل التفوق العسكري.

في ذات السياق، لم يعد دور الذكاء الاصطناعي يقتصر على كونه أداة مساعدة، بل أصبح بنية تشغيلية أساسية لتمكين مفهوم القتال متعدد المجالات. كما وأصبح الذكاء الاصطناعي عنصرا مركزيا في تشغيل الطائرات المسيرة، وإدارة الطيران، واكتشاف الأهداف، وتقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود، وتعزيز كفاءة العمليات الميدانية.

أصدرت الولايات المتحدة في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2025 "استراتيجية الأمن القومي"، وهي الوثيقة المرجعية ا التي تحدد ملامح التوجه العام للدولة في مجالات السياسة الخارجية والاقتصاد والأمن القومي والدفاع والعلاقات الدولية. كما وبينت الوثيقة أن التكنولوجيا باتت "السلاح الحاسم" في تحديد موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري أو المالي أو الجيوسياسي.

وبالإضافة الى ذلك، أكدت الاستراتيجية أن السيطرة على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، وتكنولوجيا الطاقة المتقدمة، والبنية التحتية السيبرانية، والفضاء، لم تعد مسألة تفوق تقني فحسب، بل أصبحت قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، فمن يمتلك هذه القدرات، ويحتكر تطويرها وتنظيمها، سيكون الأقدر على صياغة قواعد النظام العالمي المقبل، والتحكم في مسارات النمو، والتأثير في قرارات الدول الأخرى.

في ذات الشأن، لم يعد خافياً على المتابع ان الأحداث الإقليمية الأخيرة تعتمد وبشكل واضح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وخصوصا تقنيات التعلم الآلي وتحليل البيانات الضخمة وتقنيات الأمن السيبراني والتي تعمل كمنظومة متكاملة تدعم اتخاذ القرار الاستراتيجي وإدارة العمليات بكفاءة أعلى.

كما وتم توظيف هذه التقنيات في الجوانب الحربية والقتالية والاستخباراتية من خلال استخدام أدوات تحديد الأهداف والأفراد، وجمع المعلومات وتحليل الصور من المناطق عالية الخطورة، إلى جانب الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيرة والروبوتات التي باتت تؤدي مهام دقيقة ومتنوعة، مثل عمليات الاغتيال والقصف.

وفي الإطار ذاته، ساهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز العمليات العسكرية عبر تمكين قدرات تشغيلية مستقلة قادرة على معالجة البيانات في الوقت الفعلي، وتحسين عملية اتخاذ القرار، وتنفيذ مهام معقدة كالملاحة وتخطيط المهام دون إشراف بشري مباشر، حيث تتيح الخوارزميات المتقدمة للطائرات من دون طيار جمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات بما يسرع الاستجابة ويعزز الكفاءة التشغيلية.

كما أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي مع تقنيات الامن السيبراني ساهم في تطوير انظمة دفاعية متخصصة قادرة على مواكبة طبيعة هذه التهديدات المتقدمة، قادرة على كشف الثغرات وتحليل الفضاء الرقمي المعقد لضمان حماية الأنظمة واستدامة عملها.

أخيرا وكعادتي لابد ان اتناول الموضوع من زاويتي الأردنية حيث يتطرق الى ذهني التحديات الأمنية والتهديدات الرقمية في الأردن، واسأل نفسي: هل لدينا استراتيجية متكاملة للعمل على تطوير منظومات ذكية، قائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، قادرة على مواجهة هذه التهديدات؟ ولابد ان تتضمن هذه الاستراتيجية على خطط لحماية الأصول الوطنية، والاستجابة للتهديدات والحوادث والأزمات السيبرانية، وضمان التطوير الامن للتقنيات الرقمية، الى جانب عمل شراكات قائمة على التعاون بين مؤسسات الدولة (وخاصة الأمنية) والجامعات والشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما يفترض أن تمتد هذه الاستراتيجية لتشمل دعم الشركات الناشئة والمبتكرة في المجال، مما يساهم في تعزيز الاستقرار الوطني ودعم مسار التنمية المستدامة.

من خلال تبني هذه السياسات، يمكن للأردن ان يكون قادرا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية الحالية والمستقبلية، وخصوصا تلك التحديات الامنية القادمة من الإقليم. ومن المبهج ان نعرف من بعض المصادر في الأردن ان هناك تقدما يقوده جلالة الملك وولي العهد في موضوع دعم التكنولوجيا وخصوصا في المجالات الدفاعية. فهل نحن على الطريق الصحيح؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية