الطراونة يكتب: ميزان الثقة بين العرب وإيران.. كيف تغير؟

{title}
أخبار الأردن -

 

مكرم أحمد الطراونة


يمكن القول إن إيران تخسر سياسيا أكثر مما تربح عندما تمتد اعتداءاتها لتشمل دولا عربية، حتى لو كانت الضربات "محسوبة"، وفق وجهة نظرها غير المعلنة. لكن، في الإقليم العربي، تسعى الدول لإعادة تثبيت الاستقرار الداخلي بعد سنوات من الاضطراب، لذلك فحتى الضربات "المحسوبة" تترك أثرا سياسيا عميقا.
 

من منطق المصالح لا الانفعال، فإن أي استهداف لأراض عربية، لا بد أن يضع الدولة المعنية أمام معادلة محرجة؛ إما أن تتجاهل الضربة فتبدو ضعيفة داخليا، أو أن ترد سياسيا أو عسكريا فتتدهور المنطقة برمتها. هذه المعادلة يبدو أنها غابت عن ذهن صانع القرار الإيراني وهو يعطي أوامره باستهداف الساحات العربية وانتهاك سيادتها، من أجل تحسين شروطه للتفاوض في شأن مشروعه النووي، وصواريخه الإستراتيجية، وكأنه من العدل أن يدفع العرب ثمن طموح طهران، ورغبتها غير المحدودة في التمدد الإقليمي!
الدول العربية التي تتمتع بعلاقات جيدة مع طهران، كدول الخليج، تصبح الاعتداءات عليها أكثر كلفة من الناحية السياسية، فهذه الدول استثمرت طويلا في السعي إلى تخفيض التوتر الإقليمي، وتثبيت الاستقرار الداخلي من أجل المنافسة على جذب الاستثمارات، وحماية مشاريع التحول الاقتصادي، وأي عدوان يمس أراضيها أو أمنها ينظر إليه كتهديد مباشر لإستراتيجيتها الوطنية. في هذا السياق، فإن مستوى الثقة لا بد أن يتراجع، بينما يصبح التقارب السياسي أكثر بطأ وحذرا، وهي خسارة سياسية حقيقية لإيران التي حاولت خلال السنوات الأخيرة العمل على تخفيف عزلتها الإقليمية، وإقناع دول المنطقة بسلميتها ورغبتها في تحسين العلاقات.
ومع إقرارنا أنها كانت "ضربات شبه منضبطة"، لحمل رسائل سياسية أرادت إيصالها إلى الطرف الأميركي والإسرائيلي، من خلال اختيار أهداف غير سيادية رسميا كالقواعد والمصالح الأجنبية، وتجنب إيقاع خسائر مباشرة في مؤسسات الدول العربية، إلا أن هذه الرسائل لا تنمحي آثارها بسهولة، فالسياسة لا تقاس بنية الفاعل، بل بتأثير الفعل نفسه، وهو فعل لم يحفظ الجيرة، ولا احترم سيادة الدول.
لقد تجاوزت إيران مصالح جيرانها برغبتها في تثبيت صورة الردع أمام جمهورها الداخلي، وإظهار قدرتها على التحرك الإقليمي، والحفاظ على هيبتها أمام حلفائها وأذرعها، لكنها مكاسب ستظل رمزية في مقابل تآكل الثقة العربية، وتعزيز الحجج الداعية إلى التحالفات المضادة لها، وإعطاء مبرر دائم للوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وهي خسارات باهضة إذا ما تمت قراءتها من خلال مستقبل النظام الإيراني في منطقة تسعى دولها إلى بناء الشراكات، ومن خلال نظام عالمي بدأ بالتغير.
الاعتداءات، المدانة بالتأكيد، تعمّق الانقسام العربي ضد النفوذ الإيراني، وتزيد من الأصوات التي تعتبر إيران سببا في تحويل بعض البلدان إلى مناطق فوضى كبيرة بسبب استخدامها كساحات صراع تخدم أجندتها، ما يقود إلى تعقيد أي محاولة لبناء شراكات اقتصادية أو أمنية طويلة الأمد مع إيران، خصوصا أن السياسة في المنطقة تقوم اليوم على مبدأ "تقليل المخاطر"، وأي طرف يزيد من منسوب المخاطر، يخسر جزءا من رأسماله السياسي، حتى لو بقي متماسكا عسكريا.
قد لا تنهار علاقات إيران مع الدول العربية بسبب هذه الاعتداءات التي طالت العديد من الدول العربية، بما فيها الأردن، لكنها، بلا شك، تزيد من تراكمات فجوة الثقة التي يزيد اتساعها، وستؤدي في النهاية إلى كلفة سياسية كبيرة، خصوصا أن كل ذلك يعمق صورة إيران على أنها طالما أرادت أن تكون قوة عابرة للحدود، وتمتلك مشروعا يطال سيادة دول الإقليم، وأنها عازمة على تنفيذه مهما بلغ حجم الكلف، أو الخراب المترتب عليه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية