منصور يكتب: الأردن.. والعدوان على إيران
نضال منصور
بدأ العدوان الأميركي الإسرائيلي مجددًا على إيران، بعد جولات من المفاوضات بوساطة سلطنة عُمان، لم تُفضِ إلى اتفاق، رغم البيانات الإيجابية التي صدرت من واشنطن وطهران قبل ذلك.
لم يكن التفاؤل سيّد الموقف في المفاوضات الأميركية الإيرانية، فالشروط التي كان مطلوبًا من النظام الإيراني قبولها تتجاوز البرنامج النووي، وتذهب إلى تدمير برنامجه الصاروخي، وتمتد أيضًا إلى إملاءات مرتبطة بأذرع إيران ومليشياتها وأحزابها في الإقليم. والموافقة على ذلك تعني، لدى القيادة الإيرانية، رفع الراية البيضاء، وهذا أمر صعب في بنية أيديولوجية معقدة، وشعارات كُرِّست لعقود عنوانها “أميركا الشيطان الأكبر”.
تداعيات هذه الحرب كارثية على المنطقة، وفي صلب هذه الأزمة المتفاقمة يدفع الأردن الثمن؛ فهو، دون إرادته، يصبح مسرحًا للعمليات العسكرية، وتزداد التهديدات لمواطنيه وسكانه من حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة.
موقف الأردن واضح؛ فما يحدث عدوان على إيران، لكنه يرفض أن تكون أراضيه معبرًا لأي طائرات، مهما كانت هويتها، أو صواريخ مهما كان مطلقها، وهذا كلام نقله وزير الخارجية أيمن الصفدي إلى نظيره الإيراني، ويعرفه القاصي والداني.
الأردن ليس حارسًا، أو مدافعًا عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولن يكون يومًا كذلك، ورفضه لمرور الطائرات في مجاله الجوي، أو اعتراضه للصواريخ حمايةٌ لأراضيه ومواطنيه من أي أذى قد يتعرضون له- لا سمح الله- إن سقط صاروخ أو طائرة مسيّرة داخل الأراضي الأردنية، ولذلك بيان الجيش العربي (القوات المسلحة الأردنية) كان واضحا “تعاملنا مع 49 طائرة مسيرة وصاروخا بالستيا استهدفت الأراضي الأردنية”.
والسؤال لمن يقولون لماذا نفعل ذلك: لو تعرّض مواطن للضرر، هل سيرحم الرأي العام الحكومة من النقد، وألن يحملها اللوم والتقصير في حماية شعبها؟
لو استقصيتَ رأي الأردنيين والأردنيات، لوجدتهم فرحين إذا ما ضربت صواريخ طهران تل أبيب، أو أي موقع في فلسطين المحتلة، وهذا موقف مؤكد؛ فإسرائيل كيان عنصري محتل لفلسطين، وارتكب جريمة إبادة في غزة، ولا يخفي مطامعه وعداءه للأردن.
العداء لإسرائيل شعبيًا شيء، وحسابات الدولة في التعامل مع حرب تلقي بتداعياتها على بلادنا شيء آخر؛ فلا مفر من موقف يحمي الأردن، ولا ينساق وراء الشعارات والمشاعر، ويتصدى للإشاعات التي تحاول النيل من موقف الدولة الذي لا لبس فيه.
وعلينا أن نعترف، ونتذكر في الوقت ذاته، أن الأردن ليس دولة عظمى تستطيع مكاسرة الولايات المتحدة؛ فهي حتى الآن أكبر داعم اقتصادي لبلادنا، خاصة بعد أن تخلى عنا العديد من الأشقاء في محنتنا، وأكثر ما يمكن أن يفعله الأردن أن يبحث عن تحالفات تعزز موقفه الإستراتيجي، أو يبتعد قدر ما يستطيع عن مواجهة مع الرئيس الأميركي ترامب، الذي لا يعرف حدودًا، أو بروتوكولات في انتقاداته، أو خصومته.
سيتأثر الأردن بالحرب التي بدأت، وكلما طالت زاد الضرر، وإذا كان سيد البيت الأبيض ترامب يريد إسقاط النظام الإيراني، وبعد تأكيد مقتل المرشد علي خامنئي، فإننا لا نواجه أزمة عابرة، وإنما أزمة ممتدة وعاصفة، وحرب إقليمية تداعياتها أكبر من التوقعات.
المؤكد مثلا، أن السياحة في الأردن التي عادت إلى الانتعاش، ستتراجع، وحركة التجارة ستشهد تقلبات حادة، وأسعار البترول قد تشهد قفزات متوقعة، وإذا ما تفكك نظام الملالي في طهران، وضربت أجهزته الأمنية، وانهارت، فإن موجة من الانفلات الأمني قد تهدد المنطقة، وليس من السهل تطويقها.
يتمنى الأردن أن ينتهي العدوان على إيران سريعًا، وتتوقف الحرب، ويؤمن بأن طاولة المفاوضات هي الطريق الوحيد لإنهاء الصراع وتطويق الاختلافات، ويؤمن قبل ذلك بأنه لا يجوز التدخل في سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن الشعوب وحدها تملك الحق في التغيير الداخلي في بلادها، وليس عبر انقلابات عابرة للحدود.
منطق القوة في العلاقات الدولية غير مقبول، والعودة إلى زمن الاستعمار، حتى ولو بأشكال جديدة، لن تكون شرعية، أو قابلة للتسويق والترويج. وحتى لو اختلفنا مع النظام الإيراني، فلن نعطي الحق للبلطجة التي تقودها واشنطن وتل أبيب في أن تفرضا سيطرتهما على طهران، أو على العالم.







