القهيوي يكتب: إقليم يتغير.. والأردن يوازن: كيف تدار الدولة المستقرة في زمن الحافة؟
ليث القهيوي
في لحظة واحدة بدا الإقليم وكأنه ينتقل من توترٍ مزمن إلى صدمة مكشوفة؛ ضربة واسعة تبعتها ردود صاروخية ومسيرات، ثم ارتدادات على خرائط الطيران والملاحة وأسواق الطاقة، لتعود المنطقة إلى منطق “الحافة” حيث تتجاور الحرب والتهدئة على مسافة قرار واحد. في مثل هذه اللحظات لا تتحدد قيمة الدول بحجم ترسانتها فقط، بل بقدرتها على منع الجغرافيا من التحول إلى قدر، وعلى تحويل موقعها إلى ميزة لا إلى عبء. هنا تحديدًا يظهر الأردن: دولة في قلب خطوط التماس غير المباشر، لكنها تُصر على أن تكون نقطة اتزان لا ساحة اشتباك.
الواقع الإقليمي اليوم يتسم بثلاث سمات إستراتيجية. الأولى أن الصراع خرج من “حرب الظل” إلى مواجهة أكثر علنية، ما يرفع كلفة التراجع السياسي على الأطراف ويُغري بمنطق التصعيد المتدرج. الثانية أن جبهات الإقليم لم تعد منفصلة؛ فالمسار الإيراني يتداخل مع أكثر من ساحة، ومعه يصبح كل خط إمداد، وكل قاعدة، وكل ممر جوي أو بحري جزءًا من معادلة الردع. أما السمة الثالثة فهي انتقال مركز الخطر من الميدان العسكري البحت إلى الميدان الاقتصادي-اللوجستي: الطائرات تُحول مساراتها، التأمين البحري يزداد كلفة، وشحنات الطاقة تصبح رهينة “علاوة مخاطر” حتى قبل وقوع التعطيل الفعلي.
بالنسبة للأردن، يتخذ الأثر شكلين متزامنين: أثر فوري على الجاهزية والأمن، وأثر تدريجي على الاقتصاد. على المستوى الفوري، تعاطت الدولة مع التطورات باعتبارها حالة طوارئ إقليمية قابلة للارتداد، عبر رفع الجاهزية وإطلاق تعليمات واضحة للمواطنين بشأن التعامل مع أي أجسام أو حطام قد يسقط نتيجة اعتراضات أو مسارات نيران عابرة. هذا ليس تفصيلاً إداريًا؛ إنه إعلان ضمني أن الأردن يرى سلامة المجال الجوي جزءًا من أمنه الوطني، وأنه لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى مساحة رمادية بين الأطراف المتصارعة. وفي الوقت نفسه، يبرز ملف الطيران كأول اختبار عملي: إغلاقات مؤقتة للمجال الجوي أو قيود على الحركة الجوية تؤدي سريعًا إلى تأخيرات وإلغاءات، وإلى ارتفاع كلفة التشغيل على شركات الطيران، وإرباك قطاعات تعتمد على السفر السريع والتجارة الجوية.
أما اقتصاديًا، فإن الخطر الأكبر على الأردن لا يأتي من نقص مباشر في السلع، بل من تضخم مستورد عبر الطاقة والشحن. كل ارتفاع في أسعار النفط عالميًا، وكل زيادة في كلفة التأمين والنقل البحري حول الممرات الحساسة، ينعكس لاحقًا على فاتورة الطاقة والنقل، ثم يتسرب إلى أسعار سلع وخدمات متعددة. الأردن، بحكم اعتماده على الاستيراد في الطاقة والمواد الأولية، يتأثر سريعًا بالموجات السعرية حتى إن بقي بعيدًا عن خطوط النار. فوق ذلك، هناك أثر لا يقل أهمية: أثر الثقة. السياحة تتأثر بالصورة العامة للإقليم، والاستثمار ينتظر اتضاح المسار، وتبدأ الأسواق بتسعير المخاطر قبل أن تتحول إلى أرقام رسمية.
استشراف المستقبل القريب يضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات، لكل منها معنى مختلف للأردن. السيناريو الأول هو احتواء سريع: ردود محسوبة ثم وساطة تُعيد ضبط الإيقاع. في هذه الحالة يكون أثر الأردن محدودًا نسبيًا، ويقتصر على اضطرابات سفر قصيرة وتذبذب مؤقت في الأسعار. السيناريو الثاني هو تصعيد متدرج: ضربات متقطعة وردود متبادلة تمتد أيامًا أو أسابيع. هنا ترتفع كلفة الشحن والطيران بشكل ملموس، ويتحوّل الضغط الاقتصادي إلى واقع يومي يحتاج إدارة مالية دقيقة. السيناريو الثالث، وهو الأخطر، صدمة لوجستية واسعة: تعطيل كبير في حركة الطاقة أو الملاحة، ولو مؤقتًا، بما يرفع الأسعار عالميًا ويضغط على اقتصادات المنطقة كلها.
وفي موازاة إدارة الجغرافيا، يبقى الداخل هو خط الدفاع الأهم. فتماسك الجبهة الداخلية لا يُبنى بالشعارات، بل بثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وبخطاب وطني هادئ لا ينجرف خلف الاستقطاب، وبوعي عام يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث في أزمنة التوتر ليس سقوط صاروخ عابر، بل تسلل الانقسام إلى الداخل. في لحظات السيولة الإقليمية، يصبح ضبط الإيقاع الداخلي شرطًا مكملًا لأي توازن خارجي.
وسط هذه الاحتمالات، تبدو إستراتيجية الأردن الأكثر عقلانية هي “تحييد الجغرافيا” عبر ثلاثية واضحة: أمنٌ لا يقبل التراخي في الحدود والمجال الجوي، دبلوماسيةٌ نشطة تمنع جر البلد إلى الاستقطاب، وإدارةٌ اقتصادية مرنة تستبق الصدمات بتأمين المخزون وضبط كلفة الطاقة وتعزيز الشفافية مع الناس.
بهذا المعنى، في أزمنة الانفجار الإقليمي، لا يملك الأردن ترف الانفعال ولا رفاهية الانتظار. قوته الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في ضبط الإيقاع؛ أن يبقى نقطة توازن في محيط مضطرب، وأن يحول موقعه من ساحة محتملة للتجاذب إلى مساحة محسوبة للموازنة، يقرأ الإقليم ببرود إستراتيجي ويتحرك وفق حساباته هو لا وفق إيقاع الآخرين.
في أزمنة السيولة الإقليمية، لا تُختبر الدول بما تقوله، بل بما تمنع حدوثه. والأردن، وهو يقف على تخوم الجغرافيا المشتعلة، لا يسعى إلى لعب أدوار تتجاوز حجمه، ولا يقبل أن يُعاد تعريف موقعه بفعل ارتدادات الآخرين. معادلته واضحة: حماية الداخل، ضبط المجال، وإبقاء القرار وطنيًا خالصًا.
في منطقة تُدار أحيانًا برد الفعل، يختار الأردن أن يُدار بالفعل المحسوب وهذا هو الفرق بين دولة على الحافة، ودولة تُتقن الوقوف عليها.







