أبو طير يكتب: محنة السؤال واستحالة الإجابة

{title}
أخبار الأردن -

 

ماهر أبو طير


في المنطقة 4 قوميات العرب والفرس والترك والكرد، وإذا كانوا يبدون 4 قوميات، إلا أنهم قومية واحدة يصح تسميتها بالقومية الثقافية أو الاجتماعية، لما للغة العربية والإسلام هنا، من دور مرجعي.
 

القومية الاجتماعية أو الثقافية تجعلهم أبناء جذر واحد، يتبادلون التأثير الاجتماعي والثقافي يوميا، ويتبادلون الدم في المصاهرات، ويشربون من بئر دينية واحدة، حتى وإن تعددت المذاهب لكنهم ينتمون إلى ذات الشجرة، وإن كان لكل قومية على حد خصائص مختلفة.
الإسلام حين خرج من الجزيرة العربية وعمق الصحراء اتجه شمالا، وشرقا إلى بلاد الشام والعراق وإيران وتركيا، وساهمت هذه التنويعات الثرية في وجود نسخ إسلامية تمددت إلى كل دول العالم، لأن أصل الإسلام يقوم بجاذبيته على التنوع الإيجابي، والمساواة، وصهر المكونات، وأخذ أحسن ما فيها لبناء هوية جامعة تجلت بالعهد الأموي، ثم العباسي، وحتى الخلافة العثمانية، وكلما قام الإسلام على عنصر التنوع والعدالة معا، تمدد وكبر، ووصل إلى مواقع بعيدة جدا.
الذي يجري من 100 سنة هو تحطيم متواصل، ليس للدول بمعناها الوطني، ولا للدول بمعناها القومي، تركيا حاضنة الأتراك مثلا، وإيران حاضنة الفرس، والعرب لديهم أكثر من 20 دولة والكرد يريدون دولتهم، بل إن الذي جرى هو أخطر، تحطيم القومية الثقافية أو القومية الاجتماعية الجامعة التي تعبر عن هوية موحدة وجامعة للمنطقة، بكل هذه الفسيفساء فيها، وحتى تنوع الأديان والثقافات.
مما يؤسف له أن تحطيم القومية الثقافية أو الاجتماعية الواحدة، أدى إلى نتائج أخطر، فلم يؤد فعليا إلى إنتاج قوميات وطنية تعتمد على العرق، مثلا، بل أدى إلى إنتاج الدول الوطنية، التي بدأت خلال السنوات الأخيرة بالتشظي أيضا، تحت وطأة الانقسامات، وتوليد الصراعات، وإشاعة المظالم التي ستتحول كل لحظة إلى عوامل غضب تؤدي الى تسلط فئة على فئة، والرغبة بالانتقام والانفصال.
لا يمكن في مواجهة اللحظة التي نعيشها من مشاريع الشرق الأوسط الجديد، أو مشاريع التقسيم، أو حتى الدول الوطنية الضعيفة أو المعزولة، أو حتى بناء المحاور، على طريقة محور رئيس حكومة الاحتلال، الذي يريد بناء محور إسرائيلي إسلامي عربي ضد السنة المتطرفين والشيعة المتطرفين، أن نبقيه في خانة الترسيمات الحالية، ولا البحث عن حواضن لتغطية عورة المنطقة، لأن الحل الوحيد هو العودة إلى القومية الثقافية الاجتماعية، وإذابة الفروق المصطنعة، واسترداد وحدة المنطقة بعيدا عن الدولة الوطنية، أو حتى الدولة القومية التي تطرد بقية مكوناتها العرقية، على سبيل المثال.
هذا يعني أن وصفة الحل تكمن في القومية الثقافية والاجتماعية التي تعظم من الإسلام، واللغة العربية، والمصالح بلغة الحاضر، وتنهي حالة التنافر والتنافس، وتعقد مصالحات تاريخية حتى لا تبقى هذه المنطقة نهبا للأطماع والمخططات، وصراع فرض هويات جديدة.
من المؤكد هنا أن طبيعة شعوب المنطقة لا تقبل بجوهرها سوى مشاريع القومية الثقافية والاجتماعية التي تصنع هوية موحدة، أموية أو عثمانية أو فاطمية أو عباسية، أو أي مسمى آخر، وبدون ذلك سنبقى مجرد أطراف نائية في المشاريع الجديدة، بدلا من كوننا المركز لمنطقتنا وتنويعات شعوبنا وهي تنويعات يتوجب الاعتراف بها دون طبقية، ودون استثناءات بين أهل المنطقة الأصليين جميعا.
أين نحن اليوم، وما هو مصيرنا، وعلى أي محور سنحسب أنفسنا، وإلى أي مرجع ثقافي أو اجتماعي أو ديني أو قومي سننسب أنفسنا؟.
محنة السؤال واستحالة الإجابة العملية وليس النظرية حتى الآن، هذه هي كل القصة أيها السادة في هذه المنطقة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية