السبايلة يكتب : هندسة السلام بالقوة: اختبار الشرق الأوسط الجديد
عامر سبايلة
منذ اللحظة التي أعلن فيها الرئيس ترامب عن مشروع السلام في الشرق الأوسط في شرم الشيخ في أكتوبر 2025، بدا وكأن المنطقة تقف على أعتاب تحول جذري، وكأن عصاً سحرية ستلامس مآسيها وحروبها وصراعاتها الممتدة لعقود.
الطريقة التي طُرحت بها فكرة السلام اتسمت بتبسيط مفرط، وقفزٍ فوق تراكمات تاريخية وتعقيدات سياسية وأمنية عميقة. بدا المشروع أقرب إلى مبادرة شخصية مرتبطة برئيس تحركه إرادة الإنجاز وصورة القائد القادر على فرض التحول، أكثر منه مساراً مؤسسياً يعالج جذور الأزمة. وتكرار كلمة "السلام" لم يكن كافياً لتبديد الشكوك، خصوصاً في منطقة لم تعرف سلاماً مستقراً منذ نشأتها الحديثة. كما أن رغبة الرئيس في تحقيق إنجاز سلام تاريخي بدت محمّلة بحسابات سياسية تتجاوز مجرد إدارة نزاع تقليدي وأقرب الى عقدة شخصية لن تُحل -كما يبدو- إلا بحصوله على جائزة نوبل للسلام..
في المقابل، تغيّرت الأدبيات العسكرية الأمريكية. تحوّل الخطاب من إدارة الأزمات إلى منطق الردع الحاسم. عادت النظرية القديمة بثوب جديد: الاستعداد للحرب هو الذي يصنع السلام، والتلويح بالقوة أداة لفرض التغيير عندما تعجز السياسة عن تحقيقه.
التحرك الأمريكي في المنطقة، والتحشيد العسكري غير المسبوق، والتعزيزات الدفاعية والهجومية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذه الفلسفة. ما يجري اليوم تحت عنوان إيران يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليطال نموذجها السياسي والأمني الذي ترسّخ منذ عام 2003، والقائم على هندسة الميليشيات وتصدير النفوذ عبر السلاح المنفلت.
هذا النموذج يواجه اليوم تراجعاً واضحاً، مع انحسار قدرات الوكلاء في الإقليم، خصوصاً على الجبهة المحاذية لإسرائيل. الوصول إلى الداخل الإيراني لم يكن قفزة مفاجئة، بل مساراً تدريجياً بدأ بتجريد طهران من قدرتها على نقل الصراع إلى الداخل الإسرائيلي، ثم استهداف منظوماتها الأمنية والسياسية، وصولاً إلى حرب الأيام الاثني عشر التي نقلت مركز الضغط من الخارج إلى الداخل الإيراني.
النتيجة كانت تراكماً لأزمات أمنية واقتصادية ومجتمعية داخل إيران، تتطور اليوم إلى أزمة سياسية عميقة تنذر بتحولات جوهرية في شكل النظام وسياساته. ليس تغييراً في الأشخاص فقط، بل مراجعة في النهج والأسلوب، وربما نهاية لمرحلة التوظيف الإقليمي لصالح الانشغال الداخلي.
عسكرياً، يصعب تصور قدرة إيران على موازنة آلة الحرب الأمريكية التي يجري حشدها بوتيرة متسارعة. وحتى قدرتها على الإيذاء المحدود لا ترقى إلى مستوى توازن ردع حقيقي. المعادلة تبدو محسومة من زاوية القوة الصلبة، ما يوحي بأن المنطقة أمام فصل جديد. لكنها منطقة اعتادت على فصول لم تكن يوماً جميلة أو واعدة؛ بل إن كل مرحلة فُرضت بالقوة عمّقت أزماتها، وزادت هشاشتها، ورسّخت الصراع على حساب الاستقرار.
من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن أن يُصاغ السلام بالقوة؟ وهل التلويح بالحرب، أو حتى الحرب المحدودة، قادر على إنتاج سلام يعيش في وعي الناس لا في البيانات السياسية؟
السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو نتاج ثقافة ووعي وقبول متبادل. وهو أمر يصعب التعويل عليه في منطقة لم تُبنَ فيها أسس التعددية، ولم يُستثمر فيها بما يكفي في بناء ثقافة الاعتراف بالآخر. سيادة منطق الإقصاء، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وشطب الآخر، واعتقاد البعض بأن صكوك الغفران هي حكر شخصي لا تُوقَّع إلا من قبلهم ولا تُمنح إلا لمن يتفق مع أهواءهم وأفكارهم، كلها ثقافة تؤسس لديمومة الصراع لا للاستقرار أو السلام. كما أن تحويل الهوية الدينية أو العرقية إلى أداة صراع يجعل أي سلام مفروض هشاً بطبيعته.
حتى الرهان على الاقتصاد كمدخل للاستقرار، في ظل غياب ثقافة التعددية وقبول الاختلاف، قد يتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر. فالصراع القائم على قناعة كل طرف بشرعيته المطلقة وحقه في إلغاء الآخر لا يُحسم بفائض قوة، بل قد ينحسر تحت الضغط دون أن ينتهي.
القوة قد تفرض وقائع جديدة على الأرض، وقد تغيّر موازين، وقد تعيد رسم خرائط نفوذ. لكنها لا تخلق سلاماً مستداماً ما لم تترافق مع تحول ثقافي وفكري يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الخصوم أنفسهم.
التاريخ القريب للمنطقة يقول إن كل مرحلة فُرضت بالقوة عمّقت هشاشتها أكثر مما عالجتها. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام سلام حقيقي، أم أمام إعادة تشكيل للصراع بأدوات أكثر حداثة؟







