ملكاوي يكتب: تمجيد المقهورين
موفق ملكاوي
في العالم العربي، تحولت مهمة دعم الفلسطينيين في سبيل التحرر، إلى مجرد تمجيد صور الصمود التي يخرجون بها على الشاشات، فتحول المعنى من التفكير بسبل إنهاء المأساة، إلى كيفية الاحتفاء بأشد لحظاتها قسوة، وتحويل الألم إلى رمز بطولة يومية.
تعبيرات الفلسطينيين عن أنفسهم تحت نظام وحشي مدجج بالسلاح القاتل والدعم الدولي غير المشروط، ينبغي قراءتها من منطق ضيق أدوات الفعل السياسي والعسكري والاجتماعي، فلا يبقى أمام الإنسان سوى جسده وصوته وطقوسه الرمزية، التي تظهر أنماط سلوك قد تبدو خارج السياق الطبيعي للحزن الإنساني، مثل زغاريد الأمهات بمحاذاة نعوش الأبناء، وصواوين التهاني بدل صواوين العزاء، والرقص فوق البيوت المهدمة، والغناء للشهداء. هذه ليست تعبيرات عن فرح حقيقي، وإنما محاولة لانتزاع المعنى من قلب العجز.
المجتمعات التي تعيش ظروفا استثنائية، تخترع آليات تكيف جمعي مع الصدمة، وتميل إلى تحويل الحزن إلى طقس جماعي ليمنحها شعورا بالسيطرة الرمزية في غياب السيطرة الواقعية، خصوصا الموت الذي يشكل أكثر الحقائق الإنسانية قسوة، فتجتهد لتحويله إلى لحظة قابلة للاحتمال، لكنها لا تلغي ألمه الكبير.
هذه الصور حين تنتقل إلى الفضاء العربي، تخضع لتحول جوهري. فالعجز العربي عن التأثير المباشر في مسار الأحداث، سواء على مستوى الأنظمة أو الشارع، أفرز حالة يمكن وصفها بـ»المشاركة التعويضية»، وهي الرغبة في فعل شيء بغياب أدوات الفعل، فيلجأ لتمجيد الصور الأكثر صلابة وقسوة من التجربة الفلسطينية، لتتحول الزغاريد والرقصات والعبارات الحماسية إلى «صور أسطورية»، بينما يتم إغفال الجانب الإنساني العاري من البطولة، والمتمثل بالرغبة البسيطة في النجاة.
إنه «التماهي التعويضي» المتمثل بالعجز عن خوض التجربة نفسها، فنذهب إلى تبني صورها الرمزية لنشعر بأننا جزء من الحدث، فتمجيد المقهورين يمنح شعورا أخلاقيا بالاصطفاف، لكنه يحول الإنسان المقهور إلى أيقونة، والتجربة الفلسطينية إلى مسرح رمزي، بينما تهمل الحياة اليومية التي يحاول الفلسطيني أن يعيشها.
الفلسطيني لا يريد أن يكون مجرد صورة صلبة تعلق على الجدران، فكثير من تعبيراته ينبع من شعور عميق باليأس والعجز، لا من رغبة في صناعة بطولة دائمة. الآباء يريدون أن يبكوا أبناءهم، والأمهات يرغبن في الانهيار بعيدا عن عدسات الكاميرات، والمشردون يريدون أن يصرخوا بالقهر بدل أن يتحولوا إلى مشاهد احتفالية. لكن ضغط الجماعة؛ داخليا وخارجيا، يدفع أحيانا نحو أداء رمزي للصمود، لأن الانكسار العلني قد يبدو كأنه انتصار للخصم أو خيانة للجماعة.
إنه «أداء اجتماعي للصمود» يتحول إلى واجب أخلاقي يمارس أمام الآخرين، فيصبح الفرد مطالبا بأن يبدو قويا حتى في لحظة الانهيار، لأن الجماعة تحتاج إلى صورة تعيد إنتاج الأمل. وفي السياق الفلسطيني، تتضاعف هذه الضغوط بفعل التلقي العربي الذي يبحث عن رموز تمنحه إحساسا بالقدرة، ولو عبر المشاهدة فقط.
«تمجيد المقهورين» يحمل نية صادقة، لكنه قد يساهم، من حيث لا ندري، في تثبيت صورة غير طبيعية للإنسان الفلسطيني، فالتركيز على لحظات البطولة الرمزية يجعل الألم الإنساني غير مرئي خارج الصورة، ويحول التضامن من فعل سياسي وأخلاقي إلى فعل جمالي يكتفي بتداول الصور والشعارات.
وربما تكمن الخطورة الأكبر في أن تكرار هذه الصور، يعيد تشكيل الوعي الجمعي العربي، فبدل أن يرى الفلسطيني إنسانا يريد الحياة، يراه كائنا استثنائيا، وهو تمثيل رمزي يخفف من الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية تجاه إنهاء المعاناة، كونه يتمثل اعتقادا بأن «الصمود» يكفي.
تعبيرات الفلسطيني ليست خاطئة أو مصطنعة، فهي جزء من منظومة نفسية وثقافية تحاول البقاء في وجه الفناء، لكنها ليست الصورة الأكثر صدقا عنه، فالحقيقة الإنسانية تكمن في رغبته العادية في الحياة، وأن يكون قادرا على ممارسة الحزن الحقيقي والبكاء.
قراءة الظاهرة لا تهدف إلى التقليل من قيمة الصمود، بل إلى تحريره من الاستهلاك الرمزي، فالتضامن الحقيقي لا يكون في تمجيد المقهورين بقدر ما يكون في إعادة إنسانيتهم الكاملة إلى الواجهة في وقت يتعرضون فيه لمحاولات محو لهم ولأرضهم وتاريخهم، في واقع يضيق عليه بعدو متوحش، وأخوة يريدون أن يمارسوا مهمة التصفيق من دون توقف.







