الدرعاوي يكتب: الضجيج الإعلامي في الـغذاء والدواء
سلامة الدرعاوي
المؤسسة العامة للغذاء والدواء مرجعية سيادية تمسك بملف يمس صحة الناس وسمعة الدولة في آن واحد، ولهذا فإن طريقة إدارتها لرسالتها الإعلامية لا تقل أهمية عن قرارات الإغلاق والتحويل نفسها، لذلك فإن ما نشهده أخيرا يضعنا أمام مفارقة واضحة؟ وهو جهد رقابي مشروع، يقابله إيقاع إعلامي صاخب يصنع انطباعا يتجاوز حجم المخالفات الفعلي.
عندما تتصدر الأخبار إغلاق 7 مطاعم، وإغلاق مطعم معروف، وتحويل 5 صيدليات إلى محكمة أمن الدولة، وصور تشميع بالأحمر، وبيانات عاجلة متلاحقة، فإن الرسالة التي تترسخ في ذهن المواطن والمستثمر والسائح أن السوق يعاني خللا واسعا، وهذا الانطباع أخطر من أي مخالفة فردية لأنه يضرب الثقة في المنظومة ككل.
الأرقام الرسمية للمؤسسة العامة للغذاء والدواء تؤكد أنها نفذت 61905 زيارات ميدانية، وأصدرت 30121 إنذارا، وحولت 622 حالة إلى النائب العام، وأوقفت 2564 منشأة، وأغلقت 403 منشآت، وفي ملف المستودعات والصيدليات وحده تم إغلاق 82 منشأة، وتحويل 132 حالة إلى النائب العام، وتسجيل 76 إنذارا، و25 تنبيها، و17 إحالة إلى المجلس التأديبي.
وهذه أرقام تعكس رقابة نشطة وممتدة، ولا خلاف على ضرورة الردع، إنما الإشكالية في طريقة عرض هذه الأرقام دون سياق نسبي يوضح حجمها من إجمالي القطاع.
إذا كانت 403 منشآت أغلقت من أصل عشرات الآلاف العاملة في السوق، فالمعالجة الإعلامية التي تبرز الإغلاق دون إبراز نسبة الالتزام، تخلق صورة غير متوازنة، وإذا كانت 622 حالة أحيلت إلى النائب العام من بين 61905 زيارة، فالنسبة تستحق قراءة تحليلية تبرز أن الغالبية الساحقة ملتزمة، لذلك فإن غياب هذا السياق يحول الرقم من دليل كفاءة رقابية إلى إيحاء بانتشار الفوضى.
المقارنة مع إدارة ملفات رقابية أخرى تكشف الفارق في منهج الرسالة، ففي 2019 كان عدد القضايا الضريبية يتجاوز 8000 قضية، واليوم انخفض إلى نحو 500 قضية فقط، ومع ذلك لم تتحول كل قضية إلى خبر يومي، لأن القضايا عولجت، والتسويات تمت، والرسالة وصلت للمخالف دون خلق حالة ذعر في السوق، وقوة الإجراءات تظهر في ثباتها، لا في صخبها.
الأردن يعمل على تعزيز صادراته الغذائية والدوائية، ويقدم نفسه كبيئة منضبطة تحكمها معايير رقابية صارمة، وهذا الهدف الاستراتيجي يتطلب خطابا مؤسسيا دقيقا، يوازن بين الشفافية وحماية السمعة الاقتصادية. الحزم ضرورة، والضجيج ليس ضرورة.
المطلوب من المؤسسة العامة للغذاء والدواء أن تستمر في ضبط المخالفات بقوة، وأن تدير رسالتها بالقوة نفسها، وحين توضع الأرقام في سياقها الصحيح، تتحول 61905 زيارة إلى شهادة على كفاءة النظام الرقابي، لا إلى عنوان يوحي بأن السوق مختل.
استمرار الإيقاع الإعلامي الصاخب يخلق أزمة ثقة غير مبررة، ويقوض ما يفترض أن يعززه الثقة في الغذاء والدواء الأردني، ولا ننسى اخيرا تاثير هذا الصخب الإعلامي على المشهد السياحي بشكل عام .







