الدعجة يكتب: السفير هاكابي ومأزق الشرعية الدولية.. عندما تتحول الدبلوماسية إلى أداة للتحريض
حسن الدعجة
تأتي التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى السفير هاكبي في حديثه مع الصحفي الأميريكي الشهير تاكر كارلسون في سياق سياسي وإعلامي شديد الحساسية، حيث تعيش المنطقة مرحلة من التحولات العميقة والتوترات المتصاعدة. غير أن ما يثير القلق الحقيقي ليس فقط مضمون هذه التصريحات، بل ما تحمله من دلالات سياسية وقانونية خطيرة، إذ تعكس توجهاً يزداد ابتعاداً عن المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والالتزام بالقانون الدولي العام.
إن الخطاب الذي يروّج لإعادة تعريف التهديدات الإقليمية على أسس أيديولوجية أو طائفية، أو الذي يسعى إلى خلق “عدو بديل” بهدف إعادة تعبئة الداخل السياسي، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رأي سياسي عابر. بل هو خطاب يحمل في طياته خطراً حقيقياً يتمثل في تأجيج الانقسامات، وتبرير سياسات عدوانية، وشرعنة استمرار حالة الصراع الدائم. فبدلاً من البحث عن حلول سياسية عادلة ومستدامة، يتم اللجوء إلى خطاب تعبوي يُعيد إنتاج منطق الاستقطاب، وكأن المنطقة لا يمكن أن تعيش إلا في ظل صراعات مفتوحة.
الأخطر من ذلك أن هذه التصريحات تتناقض بوضوح مع روح ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن القانون الدولي الإنساني، الذي يشكل الإطار الأخلاقي والقانوني لتنظيم النزاعات المسلحة، يرفض بشكل قاطع أي خطاب يبرر استهداف المدنيين أو يختزل الشعوب في تصنيفات سياسية أو دينية تُستخدم كذريعة للصراع. عندما تصدر تصريحات من هذا النوع عن شخصيات رسمية أو دبلوماسية، فإنها تكتسب خطورة مضاعفة، لأنها قد تُفهم كغطاء سياسي لممارسات تتعارض مع هذه القواعد.
إن السفير، بحكم موقعه الدبلوماسي، يفترض أن يكون حارساً للغة التهدئة والحوار، لا مروجاً لخطابات التصعيد. الدبلوماسية الحديثة تقوم على بناء الجسور، لا على تعميق الشروخ. ومن هنا، فإن تصريحاته تحمل طابعاً استعلائياً وتحريضياً لا تسيء فقط إلى صورة صاحبها، بل تضر أيضاً بمكانة الدولة التي يمثلها، وتضعف الثقة بإمكانية الوصول إلى تسويات سياسية عادلة. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تؤجج الكراهية، بل إلى أصوات عاقلة تدفع نحو احترام القانون الدولي وحماية المدنيين ووقف دوامات العنف.
كما أن هذه التصريحات تكشف تناقضاً واضحاً في الرؤية السياسية التي تم الترويج لها خلال السنوات الماضية. فقد شهدنا محاولات حثيثة لإعادة رسم خريطة التحالفات في المنطقة على أساس ما سُمّي بمحاور جديدة، قيل إنها ستؤدي إلى الاستقرار. لكن ما يحدث اليوم يوضح أن هذه المقاربات لم تكن سوى مشاريع قصيرة النظر، تجاهلت التعقيدات الاجتماعية والسياسية والثقافية للمنطقة. وعندما تتغير الوقائع على الأرض، يصبح من السهل الانتقال إلى خطاب جديد يبحث عن خصم آخر، في محاولة للحفاظ على منطق التعبئة المستمر. غير أن الشعوب لم تعد تقبل بهذه المعادلات القديمة التي تختزل مصيرها في صراعات مفروضة من الخارج.
من الناحية الأخلاقية، فإن استمرار الخطاب الذي يبرر الحروب أو يخفف من وقع المعاناة الإنسانية يمثل انحداراً خطيراً في مستوى الخطاب السياسي الدولي. فالقانون الدولي الإنساني لم يوضع عبثاً، بل جاء نتيجة تجارب إنسانية مريرة أثبتت أن غياب الضوابط الأخلاقية والقانونية يؤدي إلى كوارث لا تُحصى. ومن المؤسف أن نسمع اليوم تصريحات تبدو وكأنها تتجاهل هذه الدروس التاريخية، وتتعامل مع الصراع بمنطق القوة المجردة، متناسية أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالعدالة والاحترام المتبادل.
أمام هذا الواقع، لا يمكن للمجتمع الدولي أن يلتزم الصمت. فالتصريحات غير المسؤولة، عندما تمر دون مساءلة، تتحول إلى سابقة خطيرة تشجع المزيد من الخطابات المتطرفة. المطلوب اليوم موقف واضح من الأمم المتحدة، ومن المؤسسات الدولية المعنية بحماية القانون الدولي، يؤكد أن الخطاب السياسي يجب أن يظل ضمن حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية. كما أن على الدول العربية والإسلامية أن تتبنى موقفاً موحداً وحازماً، لا يكتفي بالإدانة اللفظية، بل يسعى إلى تحريك أدوات الدبلوماسية والقانون الدولي للضغط من أجل وقف أي خطاب يشرعن العنف أو يهدد استقرار المنطقة.
إن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن يستمر في دوامة إعادة إنتاج الأعداء والصراعات، أو أن يتجه نحو بناء نظام إقليمي قائم على التعاون واحترام القانون الدولي. التصريحات التي تثير الانقسام لا تخدم سوى استمرار الأزمات، بينما تحتاج المنطقة إلى لغة جديدة تعترف بإنسانية الجميع وتضع مصلحة الشعوب فوق حسابات السياسة الضيقة.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يتعلم صناع القرار من دروس الماضي، أم يواصلون السير في طريق أثبت فشله مراراً؟ إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المجتمع الدولي، وعلى الدول العربية والإسلامية، لوضع حد لهذا النوع من التصريحات غير المسؤولة، والتأكيد أن القانون الدولي ليس خياراً انتقائياً، بل قاعدة أساسية لضمان السلام والاستقرار. فالسحر الذي استُخدم يوماً لإعادة تشكيل التحالفات قد ينقلب بالفعل على أصحابه، لكن الثمن يدفعه دائماً الأبرياء إن لم يتحرك العالم في الوقت المناسب.







