الشاشاني يكتب: توني بلير و حقيقة المهمة
د . راشد الشاشاني
كانت لافتة لنا بضع كلمات لتوني بلير في مقابلة له على هامش اجتماع مجلس السلام الاول حيث صرح بطريقة المفهوم المقابل بانه : لا حل للدولتين ، لا قريب ولا بعيد حتى ؛ مكتفيا بتكرار ما يتردد حول تقرير المصير كحق للشعب الفلسطيني ، دون ان يبين ماهية هذا الحق والمدى الذي يمكن بلوغه في سياق تقرير هذا الحق ، بل إنّه لم يتطرق حتى الى شكل او هيئة السعي لتقرير هذا الحق .
لم يكن غريبا عن هذا التصور قوله : " نحن لسنا متفائلين بصورة عمياء " منعزلا عن فكرته حول مهمته التي يتقن جيدا فهمها الخاص من جهة صانع هذا المجلس " ترامب " الذي وجد فيه ضالّته لتثبيت موقع حاكم له بعد انتهاء ولايته ؛ يضمن له مجدا لا نعتقد انه سيتحقق ولو اتعب نفسه كثيرا من أجله وسار معه في طريق السلام الموارب الذي يعتمد الرهان على اصحاب النقاط الحمراء .
اكد بلير انه لن تكون هناك حاجة ملحّة لتثبيت وضع سياسي فلسطيني جديد ، الامر بالنسبة له لا يتعدى مجرد تامين حاجات الطعام والشراب التي يحتاجها الناس مع قليل من تأمين حاجة الهدوء التي يحتاجها هؤلاء لاستهلاك طعامهم وشرابهم ، مؤكدا ان هذا ما يمكن فعله بعد مبادرات لم يستطع ذكر عددها نظرا لكثرتها انتهت جميعها بالفشل وفقا لتاكيده .
لم تكن حاجة الطعام هذه في نظره ركن مهمته ، بل أدار مصباح انارته الى شكل سياسي لم تعهد دبلوماسية العالم أُلفَتَه ، وهو : تثبيت هويّة " منصة الانطلاق " لمهمة المجلس التي تمكّنه من السير شيئا فشيئا ؛ بحيث يمكنه الانتقال من مرحلة الى أخرى خارج إطار التحديد المسبق للأهداف ، بمعنى : السير " بتكتيك المرحلة " يمكننا تسميتها ب " التنظيم الخلّاق " في موازاة فكرة الفوضى الخلاقة دون التعارض معها ، وهي تشابه نوعا ما نظرية جيدة نتبناها ، لكن ليس ضمن اطر كهذه تقوم هذه النظرية على : "حين اتقدم أقرّر ما سأفعل " .
لا يرى بلير في مرحلة المهمة هذه جديدا بالنسبة للمعنيين بها وهم الشعب الفلسطيني بقدر ما هي تثبيت قاعدة لمرحلة اخرى قادمة تستلزم نزع سلاح حماس بطريقة غير مكلفة لغير الفلسطينيين ، تماما كما هو الحال مع اللبنانيين ، أي : ليدبّروا أمرهم بينهم ؛ لا علاقة لنا ، نحن سناخذ ثمن الغذاء والدواء مصالح اقتصادية.
هذه المصالح التي تشترط قاعدة لها نزع السلاح وتشكيل ادارة ـ انتبه ليست فلسطينية ـ يمكنها حماية الإعمار بعد إعادته ، بل قبل هذا الإعمار الذي اتّخذ أرضيته نزع حكم الفلسطينيين لهذه الارض قبل نزع سلاح حماس سيّما عندما اجاب بلير بطريقة لا تخفي إسقاط السلطة الفلسطينية من حساباته .
استدارة بسيطة الى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول التوسع ، وتأييد هذه التصريحات بتصريحات السفير الأمريكي في اسرائيل الاخيرة ؛ تثبت ان مهمة غير مفهومة للغالبية حتى اللحظة لهذا المجلس لم تتبدى بعد ، تقوم على تأسيس حكم فعلي لكيان افتراضي تتوزع سيطرته على اكثر من جزء من أراضي المنطقة ، يتسلل هذا الحكم عبر فكرة المناطق الاقتصادية في غزة وجنوب لبنان وسوريا وغيرها ؛ مستعملا هذا الحكم ما يلزم من خطب السلام المريح ، وإعلانات الاستثمار المربح ، وفرص الاستقرار الجاذب لتثبيت أركان سطوته السياسية ذات الاذرع العسكرية المدعومة دوليا ؛ بعد تثبيت انعدام جدوى دور الامم المتحدة في ضبط قوانينها.
فكرة الحكم على مساحة الافتراض هذه وجدت مخرجا لتوسع اسرائيلي متشارك في المصلحة مع الامريكي ، هذا التوسع لايمكنه فرد مواطني دولة اسرائيل ولا من يواليها على جغرافيا المنطقة بحيث تضمن هذه الجغرافية تماسك السلطة في اسرائيل ؛ بفعل ما يمكن لهذا التوسع احداثه من زلزلة في موازين الحكم الإسرائيلي إذا لم تحسب الامور بحسابات المسؤولية لا بحسابات الاوهام ، سيّما أنّ السلطة في اسرائيل يملكها المسيطر على صندوق الانتخاب وليس المسيطر على صناديق تعلو الاجساد .







